الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٠
فإذا تقابل عنده الجائزان، و تعارض لديه الاحتمالان، و هو يتوقع في التمسك بأحدهما التعرض للنعيم المقيم، و يرقب في ملابسة الثاني استيجاب العذاب الأليم، فالعقل يقضي باختيار سبيل النجاة، و إيثار تجنب المهلكات. فإذا كان السبيل المفضي إلى العلم بوجوب النظر اختلاج الخواطر في النفس، و تعارض الجائزات في الحدس، فمن ذهل عن هذه الخواطر، و غفل عن هذه الضمائر، فلا يكون عالما بوجوب النظر.
و يلزم الخصوم في مدارك العقول، عند الغفلة و الذهول، ما ألزمونا في مقتضى الشرع المنقول. و ما ألزمناهم من فرض الكلام عند عدم الخاطرين يناظر ادعاء النبوة مع عدم المعجزة، فلزمهم العكس و لم يلزمنا ما قالوه فإن المعجزة إذا ظهرت و تمكن العاقل من دركها، كانت بمثابة جريان الخاطرين على زعم الخصم؛ فإذا جريا، فإمكان النظر في اختيار أحدهما كإمكان النظر في المعجزة عند ظهورها.
ثم نقول: شرط الوجوب عندنا، ثبوت السمع الدال عليه، مع تمكن المكلف من الوصول إليه. فإذا ظهرت المعجزات، و دلت على صدق الرسل الدلالات، فقد تقرر الشرع و استمر السمع المنبئ عن وجوب الواجبات و حظر المحظورات. و لا يتوقف وجوب الشيء على علم المكلف به، و لكن الشرط تمكن المخاطب من تحصيل العلم به.
فإن قيل: ما الدال على وجوب النظر و الاستدلال من جهة الشرع؟ قلنا: أجمعت الأمة على وجوب معرفة الباري تعالى، و استبان بالعقل أنه لا يتأتى الوصول إلى اكتساب المعارف إلا بالنظر، و ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.
باب حقيقة العلم
العلم معرفة المعلوم على ما هو به، و هذا أولى في روم تحديد العلم من ألفاظ مأثورة عن بعض أصحابنا في حد العلم؛ منها قول بعضهم: العلم تبين المعلوم على ما هو به؛ و منها قول شيخنا رحمه اللّه: العلم ما أوجب كون محله عالما؛ و منها قول طائفة: العلم ما يصح ممن اتصف به إحكام الفعل و إتقانه.
فأما قول من قال: هو تبين المعلوم على ما هو به، فمرغوب عنه، إذ التبين ينبئ عن الإحاطة بالمعلوم عن جهل أو غفلة، إذ يقول من علم ما لم يكن عالما به: قد تبينته، و غرضنا من الحد ذكر ما يشتمل على العلم القديم و الحادث.