الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٦
أخس من الكفار. و حقّ العابد إذا نظر إلى عالم أن يتواضع له لجهله، و إن نظر إلى فاسق أن يقول لعل فيه خلقا باطنا يستر معاصيه الظاهرة، و لعل في باطني حسدا أو رياء أو خبثا خفيّا مقتني اللّه سبحانه عليه فلا يقبل أعمالي الظاهرة، و أن اللّه سبحانه ينظر إلى القلوب لا إلى الصور. و من الخبث الباطن الكبر، إذ روي أن رجلا من بني إسرائيل يقال له خليع بني إسرائيل لكثرة فساده، جلس إلى عابد بني إسرائيل و قال: لعل اللّه تعالى يرحمني ببركته، فقال العابد في نفسه كيف يجلس معي مثل هذا الفاسق؟ و قال له: قم عني! فأوحى اللّه سبحانه إلى نبيّ زمانه: مرهما ليستأنفا العمل، فقد غفرت للخليع و أحبطت عمل العابد. و روي أن رجلا وطئ رقبة عابد من بني إسرائيل و هو ساجد، فقال له: ارفع، فو اللّه لا يغفر اللّه لك، فأوحى اللّه سبحانه إليه أيها المتألّي [١] عليّ بل لا يغفر اللّه لك. فالأكياس [٢] يحذرون من ذلك و يقولون ما كان يقول له عطاء السلمي مع شدّة ورعه؛ كان إذا هبت ريح عاصف أو صاعقة يقول: ما يصيب الناس ذلك إلا بسببي، و لو مات عطاء لتخلصوا. و قال بعضهم في عرفات: أنا أرجو الرحمة لجميعهم لو لا كوني فيهم. فانظر كم بين من يخلص العمل و الورع ثم يخاف على نفسه، و بين من يتكلف أعمالا ظاهرة لعلها لا تخلو عن الرياء و الافات ثم يمن على اللّه بعمله.
السبب الثالث الكبر بالنسب:
و علاجه أن ينظر في نسبه، فإن أباه نطفة مذرة، وجده التراب، و لا أقذر من النطفة و لا أذل من التراب. ثم المفتخر بالنسب يفتخر بخصال غيره، و لو نطق آباؤه لقالوا: من أنت في نفسك! ما أنت إلا دودة من بول من له خصلة حسنة؛ و لذلك قيل:
لئن فخرت بآباء ذوي نسب
لقد صدقت و لكن بئس ما ولدوا
و كيف يتكبر بنسب ذوي الدنيا و لعلهم صاروا حممة [٣] في النار يودّون لو كانوا خنازير أو كلابا يتخلصون مما هم فيه. و كيف يتكبر بنسب أهل الدّين و هم في أنفسهم ما كانوا يتكبرون، و كان شرفهم بالدّين، و من الدّين التواضع. و كان أحدهم يقول:
[١] المتألي: الحالف.
[٢] جمع كيس و هو ضد الحمق و يقال الغلبة بالكياسة.
[٣] حممة: كل ما احترق بالنار.