الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٧
إدراك حقيقة الشهوة بوجودها له. و كذلك المرض يعرفه العامي الصحيح و يؤمن به، و يعرفه الطبيب الصحيح بالبرهان و هو علم، و من لم يصر مريضا لم يحصل له الذوق.
فكذلك القول في الفناء في التوحيد؛ فالذوق مشاهدة، و العلم قياس، و الإيمان قبول بحسن الظن مع الانفكاك عن التهمة. فاجتهد ان تصير من أهل المشاهدة، فليس الخبر كالمعاينة.
فإن قلت: لقد عظّمت أمر الذكر فهل هو أفضل أم قراءة القرآن؟ فاعلم أن قراءة القرآن أفضل للخلق كلّهم إلا للذاهب إلى اللّه عز و جل؛ و هو أفضل للذاهب إلى اللّه في جميع أحوال بدايته، و في بعض أحواله في نهايته؛ فإن القرآن هو المشتمل على صنوف المعارف و الأحوال و الإرشاد إلى الطريق، فما دام العبد مفتقرا إلى تهذيب الأخلاق و تحصيل المعارف، فالقرآن أولى به، فإن جاوز ذلك و استولى الذكر على قلبه بحيث يرتجى له أن يفضي به ذلك إلى الاستغراق، فمداومة الذكر أولى به، فإن القرآن يجاذب خاطره، و يسرح به في رياض الجنة، و المريد الذاهب إلى اللّه تعالى، لا ينبغي أن يلتفت إلى الجنة و رياضها، بل ينبغي أن يجعل همه همّا واحدا، و ذكره ذكرا واحدا، حتى يدرك درجة الفناء و الاستغراق، فلذلك قال اللّه عز و جل: وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: ٤٥]، و كذلك من ينتهي إلى درجة الاستغراق و لا يدوم و لا يثبت عليه، فإذا ردّ الى نفسه فقد تنفعه تلاوة القرآن؛ و هذه حالة نادرة عزيزة، كالكبريت الأحمر، يتحدث به و لا يوجد. فتكون تلاوة القرآن أفضل مطلقا؛ لأنه أفضل في كل حال، إلا في حال من شغله المتكلم عن الكلام، إذ لباب القرآن معرفة المتكلم بالقرآن، و معرفة جماله و الاستغراق به، و القرآن سائق إليه و هاد نحوه، و من أشرف على المقصد لم يلتفت الى الطريق.
فإن قلت: فأيّ الأذكار أفضل؟ فاعلم أن الأفضل- كما ذكرناه- استيلاء المذكور على القلب؛ و هو شيء واحد لا كثرة فيه، حتى يختار أفضله، و ذلك عين الجمع و التوحيد، و إنما التفرقة و الكثرة قبل ذلك، فذلك ما دمت في مقام الذكر باللسان و القلب، و عند هذا قد ينقسم الذكر إلى الأفضل و غير الأفضل، و فضله بحسب الصفات التي يعبّر عنها بالأذكار.
و الصفات و الأسماء الواردة في حق اللّه سبحانه، تنقسم إلى ما هو حقيقة في حق