الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣١
و جلّ: وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً ... [الأنعام: ٢٥، الإسراء: ٤٦] الآية. و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لو لا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء».
و اعلم أن معاني القرآن من جملة الملكوت، و إنما حروفها من عالم الشهادة، و الأكنة التي يبتلى بها المتقي المتعطش إلى الحقّ نوعان: إما ما ابتلي به ضعيف الإيمان من حجاب الشك و الجحود، و إما ما ابتلي به المنهمك في الدنيا من حجاب الشهوات المستغرقة للقلب. فذلك جليّ لا يخفى كونه مانعا من فهم لطائف القرآن و اقتباس أنواره، فبها حجب أكثر الخلق. و أما العباد المتجرّدون لطريق اللّه عزّ و جل، فيحجبون بنوعين آخرين، أحدهما: الوسواس الصارف للقلب إلى التفكر في النية كيف كانت في الابتداء هل بقيت الآن، و هل هو مخلص في الحال؟ هذا إن كان في الصلاة؛ أو الوسواس الصارف للهمّ إلى تصحيح مخارج الحروف و التشكك فيها و إعادتها لأجل ذلك، و هذا يجري في الصلاة و غيرها، فكيف يطالع أسرار الملكوت قلب محجوب مصروف إلى مطالعة الشفتين و كيفية انطباقهما، و اللسان و الحنك و كيفية انسلال الهواء من اصطكاكهما؟ و هو معنى تقطيع الحروف و تصحيحها.
النوع الثاني: التقليد لظواهر معاني القرآن و الجمود عليها، و ذلك حجاب عظيم عن الفهم، و لست أعني به التقليد الباطل، كتقليد المبتدع، بل التقليد الحق أيضا. فإن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له درجات، و له مبدأ ظاهر، و هو كالقشر و المثال و له غور باطن و هو كاللّباب. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إن للقرآن ظاهرا و باطنا، و حدّا و مطلعا». فالجامد على الظاهر الظانّ أنه ليس وراءه مرقى يرتقي إليه، كيف يتصور أن تنكشف له الأسرار، فقد كلف الخلق مثلا أن يعتقدوا أن اللّه تعالى يرى، و لكن للرؤية ظاهر و سرّ، فمن اعتقد أن رؤية اللّه تعالى مناسبة للرؤية التي يألفها الإنسان في هذا العالم، كيف يتصور أن يطّلع على سرّ قوله تعالى: لَنْ تَرانِي و كيف يفهم أن ذلك ممتنع في هذه الحياة الدنيا بهذه العين الموقوفة على ملاحظة الجهات و الأقطار، و كيف يدرك قوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣]، مع قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. و يكفيك هذا المثال الواحد، فلسنا نكشف لك أكثر من هذا، و لسنا نقصد في هذا الأصل إلا التلويحات لمبادئ الأسرار تشويقا للمستعدين لها.