الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٩
برجاء العفو فتقول: لم يعذبني و لم يضره معصيتي بل يلزم العذاب من المعصية كما يلزم الموت من السمّ.
و اعلم أن هذه الحسرة دائمة لأن منشأها تضاد صفتين لا يزول تضادهما أبدا؛ مثاله أن الذي يعلّق بحبل في عنقه أو رجله إنما يتألم لتضاد الصفتين، لا لصورة الحبل و التعلق؛ لكن صفته الطبعية تطلب الهويّ إلى أسفل، و المنع القهري بالحبل يمانع الطبعية فيتولد الألم فيه من تمانعهما، فكذلك الروح الإنساني من الروح الروحاني الإلهي بأصل فطرته، فله بحكم الطبع حنين و شوق إلى عالم العلوّ، عالم الأرواح، و إلى مرافقة الملأ الأعلى؛ و لكن أغلال الشهوات و سلاسلها يجذبها إلى أسفل السافلين، و هي شهوات الدنيا، و هي صفة عارضة قهرت الصفة الطبعية، و منعتها عن نيل مقتضاها، و الألم يتولد من بينهما؛ و النار أيضا إنما تؤلم للمضادة، فإن الملائم للتركيب بقاء الاتصال. و النار تضاد الاتصال بالتفريق بين الأجزاء. و لو لم يكن قد رأيت النار، و سمعت بأن شيئا لطيفا ليّنا يماسّ بدنك فيؤلمك، لاستنكرته و قلت: شيء لا صلابة فيه كيف يؤلم باللمس؟
و اعلم أن التضاد مؤلم، سواء كان بسبب خارج أو داخل؛ فإن سمّ العقرب في العضو يؤلم لفرط برودته المضادة لحرارة البدن. فلا تظنن أن الآلام كلّها تدخل من خارج. فإن قلت: إن العقرب إنما لدغت من خارج فاعلم أن ألم السّن و ألم العين لا يقصر عنه، و إنما سببه انصباب خلط داخل مضادّ لمزاج العين و السن. و ليس ذلك بأهون من لدغ العقرب و الحية.
و اعلم أن تضادّ الصفات في القلب، يؤلم القلب إيلاما لا ينقص عما يؤلم السن و العين، و مثاله في أضعف الصفات، أن البخيل المرائي إذا طلب منه عطية على ملأ من الناس عند من يريد أن يعرفوه بالسخاء؛ يتألم قلبه لتضادّ صفتين، إذ البخل يتقاضاه أن لا يعطي، و حب الجاه يتقاضاه أن يعطي، و قلبه بين هاتين الصفتين كشخص ينشر بمنشار بنصفين. فهذا مثال حسرة الفوت و عظمها بقدر ما ينكشف من جلالة قدر الفائت، و لا تعلمه بالحقيقة في هذا العالم بل في عالم الكشف، و هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون.
و اعلم أن هذه الأصناف الثلاثة، لها ترتيب:
فالصنف الأول الذي يلقاه الميت المعذب، هو حرقة فرقة المشتهيات، و ذلك