الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٧
في ناووس المجوس، و إذا النيام موتى. و هذه عجوز شوهاء قريبة العهد بالموت، عليها الحنوط، و كفنها الجديد، فصادف في فمه و أنفه من رطوبات ريقها و مخاطها، و على بدنه من قاذورات أسافلها، فإذا هو من قرنه إلى قدمه ممتلئ في قاذوراتها، ثم تفكر في غشيانه إياها و ابتلاعه ريقها، فهجم على قلبه من الخزي ما تمنّى أن يخسف اللّه به الأرض، حتى ينسى ما جرى عليه. و لا يزال يعاود ذكره و لا ينساه أصلا، بل تجد نفسه ما عمله من سوء محضرا يود لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا، و بدنه بمعزل من هذه المخازي و الآلام، و هو في عذاب دائم في الغثيان و القيء، و تذكر تلك المخازي، و يحذر أن يطلع عليه أحد فيتضاعف حزنه، فإذا هو بأبيه و جميع حشمه قد جاءوا في طلبه، و اطلعوا على جميع مخازيه. فهذه حال من تمتع بالدنيا، ينكشف له كذلك في الآخرة روحه و حقيقته، و هي معنى قوله تعالى: وَ حُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ [العاديات: ١٠] أي يعرض عليها حاصلها أي روحها و حقيقتها، و هي معنى قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [الطارق: ٩]. أي يكشف عن أسرار الأعمال و أرواحها القبيحة أو الحسنة. و كما أن ألذ الأطعمة رجيعه [١] أقذر و أنتن، فألذ تنعمات الدنيا و حاصلها و سرها في الآخرة أقبح و أفضح؛ و لذلك شبه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الدنيا بالطعام، و عاقبته بالرجيع.
الصنف الثالث: حسرة فوات المحبوبات؛ فقدّر نفسك مع جماعة من أقرانك دخلتم في ظلمة، فكان فيها حجارة لا يرى ألوانها، فقال أقرانك: احمل من هذا ما تطيق، فلعله يكون فيها ما ينتفع بها إذا خرجنا من الظلمة، فقلت فما ذا أصنع بها؟
أتحمل في الحال ثقلها، و أكدّ بنفسي فيها و أنا لا أدري عاقبتها! ما هذا إلا جهل عظيم.
فإن العاقل لا يترك الراحة نقدا بما يتوقعه نسيئة، و لا يستيقنه. فأخذ كل واحد من أقرانك ما أطاق أخذه، و أعرضت عن ذلك تستحمقهم و تسخر بهم، لأنهم ينوءون تحت أعبائه و ثقله، و أنت مرفّه في الطريق تعدو و تضحك منهم. فلما جاوزوا الظلمة نظروا، فإذا هي جواهر و يواقيت يساوي كل واحد ألف دينار، فأقبلوا على بيعها و توصلوا بها إلى الجاه و النعمة و أصبحوا ملوك الأرض. فأخذوك فاستسخروك لتعهد دوابّهم لينفقوا عليك في كل يوم قدرا يسيرا من فضلات الطعام.
[١] رجيعه: ما يقذف من الجوف عبر الفم.