الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٦
و تفتضح به، و بدنك في معزل من ألمه. فكذلك يرى المغتاب نفسه في الآخرة، و لأنّ روح الغيبة تمزيق أعراض الإخوان و التفكه بها.
و في عالم الآخرة ينكشف أرواح الأشياء و حقائقها. و كذلك لو كنت ترمي حجارة إلى حائط، فقال لك قائل: أ ما تستحي أن تفعل ذلك، و الحجارة ترتد من الحائط و تقع في دارك، و تصيب حدقة أولادك، فقد غيبت أحداقهم كلهم! قلت: معاذ اللّه أن أفعل ذلك. فقال: ادخل دارك. فدخلت فإذا هو كذلك. فانظر كيف تفتضح و يحترق قلبك تحسّرا على عملك الذي ظننته هيّنا و هو عند اللّه عظيم. و هذا روح حسدك لأخيك، فإنك تحسده و لا تضره و ينعكس عليك و يهلك دينك، و ينقل حسناتك إلى ديوانه- و هي قرّة عينك- لأنها سبب سعادة الأبد، فهي أعز من حدقة الولد. فإذا انكشف لك هذه الروح، فانظر كيف تحترق بنيران الفضيحة و بدنك بمعزل عنه.
فالقرآن كثيرا ما يعبّر عن الأرواح، و لذلك قال تعالى في الغيبة: أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات: ١٢]. و قال اللّه تعالى في الحسد: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [يونس: ٢٣]. فيكفيك من الأمثلة مثال الأذان و الغيبة و الحسد. فقس عليه كل فعل نهاك الشرع عنه، فذلك لقبح روح الفعل و حقيقته، و حسن ظاهره، أي ظاهره حسن للبصر الظاهر، و باطنه قبيح للبصيرة الناظرة في مشكاة نور اللّه تعالى.
و عن هذا عبر الشرع حيث قال: تعرض الدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شوهاء زرقاء، صفتها كيت و كيت، لا يراها أحد إلا و يقول أعوذ باللّه منها، فيقال هذه دنياكم التي كنتم تتهالكون عليها، فيصادفون في نفوسهم من الخزي و الفضيحة ما يؤثرون النار عليه. و إن أردت أن تفهم كيفية هذه الخجلة، فاسمع حكاية رجل من أبناء الملوك، زوج بأجمل امرأة من بنات الملوك، فشرب تلك الليلة فسكر، و أخطأ باب الحجرة فخرج من الدار و ضلّ فرأى ضوء سراج فقصده على ظنّ أنها حجرته، فدخل الموضع فرأى جماعة نياما، فصاح بهم فلم يجيبوه، فظنّ أنهم نيام، فطلب العروس فرأى واحدا نائما في ثياب جديدة فظن أنها العروس، فضاجعها و أخذ يقبلها و يغشاها، و يجعل لسانه في فيها و يمتص ريقها متلذذا بذلك في سكره غاية التلذذ، و يتمسح بالرطوبات التي تصيبه من جميع بدنها، على ظن أن ذلك عطر ادّخرته له. فلما أصبح أفاق فإذا هو