الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٢
ناقصة، إنما حدّه أن يحذر عن شيء تأذّى به مرة و ما لم يتأذّ بشيء فلا يدري أنه يحذر منه. و ما دام في المنزل الثالث- و هو الموهومات- فهو بهيمة كاملة كالفرس مثلا؛ فإنه قد يحذر من الأسد إذا رآه أولا، و إن لم يتأذّ به قط، فلا يكون حذره موقوفا على أن يتأذى به مرة؛ بل الشاة ترى الذئب أولا فتحذره، و ترى الجمل و البقر و هما أعظم منه شكلا و أهول منه صورة و لا تحذرهما، إذ ليس من طبعهما إيذاء. و هؤلاء إلى الآن تشاركهم البهائم، فبعد هذا يترقى الإنسان إلى عالم الإنسانية فيدرك أشياء لا تدخل في حس و لا تخيل و لا و هم، و يحذر به الأمور المستقبلة، و لا يقتصر حذره على العاجلة اقتصار حذر الشاة على ما يشاهده في الحال من الذئب؛ و من هاهنا يصير إلى حقيقة الإنسانية، الحقيقة هي الروح المنسوبة إلى اللّه تعالى في قوله: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩، ص: ٧٢]. و في هذا العالم يفتح له باب الملكوت فيشاهد الأرواح المجردة عن كسوة التلبيس، و غشاوة الأشكال. و هذا العالم لا نهاية له.
أما عوالم المحسوسات و المتخيلات و الموهومات فمتناهية، لأنها مجاورة للأجسام و ملتصقة بها؛ و الأجسام لا يتصور أن تكون غير متناهية. و السير في هذا العالم مثاله المشي إلى الخيال على الماء، ثم يترقى منه إلى المشي في الهواء؛ و لذلك لما قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: إن عيسى- صلوات اللّه عليه و سلامه- مشى على الماء، فقال- عليه السلام: «نعم و لو ازداد يقينا لمشى في الهواء». و أما التردد على المحسوسات، فهو كالمشي على الأرض، و بينها و بين الماء عالم يجري مجرى السفينة، و فيها يتولد درجات الشياطين، حتى يجاوز الإنسان عوالم البهائم، فينتهي إلى عالم الشياطين؛ و منه يسافر إلى عالم الملائكة، و قد ينزل فيه و يستقر، و شرح ذلك يطول. و هذه العوالم كلها منازل الهدى، و لكن الهدى المنسوب إلى اللّه تعالى يوجد في هذا العوالم الرابع، و هو عالم الأرواح، و هو قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ [آل عمران: ٧٣]. و مقام كلّ إنسان و محله و منزله في العلوّ و السّفل بقدر إدراكه، و هو معنى قول علي- رضي اللّه عنه-: «الناس أبناء ما يحسنون». فالإنسان بين أن يكون دودا أو حمارا أو فرسا أو شيطانا، ثم يجاوز ذلك فيصير ملكا.
و للملائكة درجات، فمنهم الأرضية، و منهم السماوية، و منهم المقرّبون المترفعون عن الالتفات إلى السماء و الأرض، القاصرون على جمال الحضرة الربوبية،