الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٨
الجنة: «إن لهم فيها ما يشتهون» [١]. و أجمع العبارات لعذاب الآخرة قوله: وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤]. و لا ملذ إلا الشهوة، و لكن عند مصادمة المشتهى، و لا مؤلم إلا الشهوة، و لكن عند مفارقة المشتهى. و لا ينبغي أن تغتر الآن و تقول: إن كان هذا سبب عذاب القبر فأنا في أمان منه، إذ لا علاقة بين قلبي و بين متاع الدنيا؛ فإن هذا لا تدركه بالحقيقة ما لم تطرح الدنيا و تخرج عنها بالكلية، فكم من رجل باع جارية على ظن أنه لا علاقة بينه و بينها، فلما أخذها المشتري اشتعل في قلبه من نيران الفراق، و احترق بها احتراقا، و ربما ألقى نفسه في الماء و النار ليقتل نفسه و يتخلص منها. فكذلك يكون حالك في القبر في كل ما يتعلق به قلبك من الدنيا؛ و لذلك قال المصطفى عليه السلام: «أحبب ما أحببت فإنك مفارقه». و وراء هذا عذاب أعظم منه، و هو حسرة الحرمان عن القرب من اللّه تعالى، و النظر إلى وجهه الكريم.
و ينكشف بالموت عظم قدر ما فات منه، و إن كان لا يعظم قدره عندك قبل الموت؛ لأن الموت سبب الانكشاف، ما لم تكن المكاشفة قبله، كما أن النوم سبب انكشاف الغيب بمثال أو غير مثال. و النوم أخ الموت، و لكنه دونه يكبر. فهذان عذابان يتضاعفان على كل ميت كأن غير اللّه تعالى أحب إليه من اللّه تعالى؛ و كأن أنسه بغير اللّه تعالى، أكثر من أنسه باللّه؛ و هما ضروريان إن عرفت بالحقيقة الروح و بقاءه بعد الموت، و علائقه، و ما يضادّه بالطبع و ما يوافقه بالطبع.
[فصل أن الإنسان يعدم بالموت ثم يعاد]
لعلك تقول: المشهور عند أهل العلم، أن الإنسان يعدم بالموت ثم يعاد، و أن عذاب القبر يكون بنيران و عقارب و حيات، و ما ذكرته بخلاف ذلك.
فاعلم أن من قال إن الموت معناه العدم فهو محجوب عن حضيض التقليد و يفاع [٢] الاستبصار جميعا، أما حرمانه عن ذروة الاستبصار فلا تدركه ما لم تستبصر؛ و أما حرمانه عن التقليد فتعرفه بتلاوة الآيات و الأخبار، قال اللّه تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ ... [آل عمران:
[١] ليس هذا نص آية كما قد يتوهم.
[٢] يفاع: علو.