الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٧
العجيب على ما هو عليه من البهاء و العظمة و الجلال و المجد، في قلب العارف، كما تنطبع مثلا صورة العالم المحسوس في حواسك، فكأنك تنظر إليه و إن غمضت عينيك. فإن فتحت العين و وجدت الصورة المبصرة مثل الصورة المتخيلة قبل فتح العين لا تخالفها في شيء إلّا أن الإبصار في غاية الوضوح بالنسبة إلى التخيل. و كذلك ينبغي أن تعلم أن في إدراك ما لا يدخل في الخيال و الحس أيضا في درجتين متفاوتتين في الوضوح غاية التفاوت، و نسبة الثانية إلى الأولى كنسبة الإبصار إلى التخيل، فتكون الثانية غاية الكشف، فيسمى لذلك مشاهدة و رؤية. و الرؤية لم تسمّ رؤية لأنها في العين، إذ لو خلقت في الجبهة لكانت رؤية؛ بل لأنها غاية الكشف. و كما أن تغميض الأجفان حجاب من غاية الكشف في المبصر، فكدورة الشهوات و شواغل هذا القالب المظلم حجاب عن غاية المشاهدة؛ و لذلك قال اللّه تعالى: لَنْ تَرانِي [الأعراف:
١٤٣]. و قال تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣]. فإذا ارتفع هذا الحجاب بعد الموت انقلبت المعرفة بعينها مشاهدة، و يكون مشاهدة كل واحد على قدر معرفته؛ و لذلك تزيد لذة أولياء اللّه سبحانه في النظر على لذة غيرهم، و يتجلّى اللّه تعالى لأبي بكر- رضي اللّه عنه- خاصة، و يتجلى للناس عامة. و كذلك لا يراه إلا العارفون؛ لأن المعرفة بدء النظر، بل هي التي تنقلب مشاهدة، كما ينقلب التخيل إبصارا. فلذلك لا يقتضي مقابلة وجهه. و سرّ هذا طويل، فاطلبه من كتاب المحبة في الإحياء.
فصل
لو كان معشوقك و أنت تراه من وراء ستر رقيق في وقت الإسفار و في حالة ضعف الضوء، و في حالة اجتمع عليك تحت ثوبك عقارب و زنابير تلدغك و تشغلك، فلا يخفى أن لذتك من مشاهدة معشوقك تضعف. فلو أشرقت الشمس دفعة واحدة فارتفع الستر الرّقيق، و انصرفت عنك العقارب و الزنابير، و هجم عليك العشق المفرط البليغ، فلا نسبة لهذه اللذة العظيمة التي تحصل الآن إلى ما كان قبل ذلك. و كذلك فافهم أنه لا يشبه لذة النظر إلا لذة المعرفة بل هي أعظم منها كثيرا. و الستر الرّقيق قالبك. و العقارب شواغل الدنيا و غمومها و شهواتها، و هجوم العشق شدة الشهوة لانقطاع المضعّفات و المنغّصات عنها، و إشراق الشمس هو استعداد حدقة القلب لاحتمال تمام التجلّي، فإنها في هذه الحياة لا يحتمل بصر الخفّاش نور الشمس.