الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٤
مخلوقا خفتم و مخلوقا رجوتم. و مر بقوم آخرين كذلك، فقالوا: نعبده حبّا و تعظيما لجلاله، فقال: أنتم أولياء اللّه حقّا، و معكم أمرت أن أقيم.
[فصل العارف لا يحب إلا اللّه تعالى]
العارف لا يحب إلا اللّه تعالى، فإن أحبّ غيره فيحبه للّه عز و جل، إذ قد يحبّ المحبّ عبد المحبوب و أقاربه و بلده و ثيابه و ضيعته و تصنيفه، و كل ما هو منه و إليه نسبته. و كل ما في الوجود صنع اللّه عز و جل و تصنيفه، و كل الخلق عباد اللّه تعالى؛ فإن أحبّ الرسول أحبّه لأنه رسول محبوبه و حبيبه. و إن أحب الصحابة فلأنهم محبوبو رسوله، و لأنهم محبوه و عبيده و المواظبون على طاعته. و إن أحب طعاما فلأنه يقوّي مركبه الذي به يصل إلى محبوبه، أعني البدن. و إن أحب الدنيا، فلأنها زاده إلى محبوبه. و إن أحب النظر إلى الأزهار و الأنهار و الأنوار و الصور الجميلة، فلأنها صنعة محبوبه، و هي دلالات على جماله و جلاله، و مذكّرات لصفات المحامد التي هي المحبوبة في ذاتها. و إن أحبّ المحسن إليه و المعلم إياه علوم الدين، فيحبه لأنه واسطة بينه و بين محبوبه في إيصال علمه و حكمه إليه. و يعلم أنه الذي قيّضه لتعليمه و إرشاده، و الإنفاق عليه من ماله، و أنه لو لا تسليط الدواعي إليه و اضطراره بسلسلة البواعث و الأغراض إلى إرشاده و الإنفاق عليه لما فعله. و أعظم الخلق إحسانا علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و للّه المنّة و الفضل بخلقه و بعثه، كما قال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ [الجمعة: ٢]. و لذلك قال اللّه تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦].
و تأمل سورة الفتح و قوله تعالى: وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر: ٢، ٣]. فقد أنزله منزلة النظارة و قال: إذا رأيت عباد اللّه يدخلون في دين اللّه فقل بحمد اللّه لا بحمدي، و هو معنى التسبيح بحمد ربه. فإن التفت قلبك إلى نفسك و سعيك فاستغفره ليتوب عليك.
و اعلم أنه ليس لك من الأمر شيء. و من هاهنا نظر عمر- رضي اللّه عنه- حيث وصل كتاب خالد بعد فتح مكة: «من خالد سيف اللّه المسلول على المشركين إلى أبي بكر أمير المؤمنين». فقال: إن نصر اللّه المسلمين نظر خالد إلى نفسه و يسميها سيفا مسلولا على المشركين. و لو لاحظ الحق كما هو لعلم أن ليس ذلك بسيفه و لكن للّه
الأربعين في اصول الدين ١٥٥ فصل العارف لا يحب إلا الله تعالى ..... ص : ١٥٤