الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٢
خاصية الإنسان التمييز بالبصيرة الباطنة. و لذة البصر الظاهر، في الصور الجميلة الظاهرة، و لذة البصيرة الباطنة، في الصور الجميلة الباطنة.
[فصل ما معنى الصور الجميلة الباطنة؟]
لعلك تقول: ما معنى الصور الجميلة الباطنة؟ فأقول ما عندي أنك لا تحس من نفسك حب الأنبياء و العلماء و الصحابة، و لا تدرك من نفسك تفرقة بين الملك العادل العالم الشجاع الكريم العطوف على الخلق، و بين الظالم الجاهل البخيل الفظّ الغليظ.
و ما عندي أنك إذا حكي لك صدق أبي بكر، و سياسة عمر، و سخاوة عثمان، و شجاعة علي- رضوان اللّه عليهم- لا تجد في نفسك هزة و ارتياحا و ميلا إلى هؤلاء، و إلى كل موصوف بخلال الكمال من نبيّ و صدّيق و عالم. و كيف تنكر هذا، و في الناس من يقتدي بنفسه أرباب المذاهب، و يحمله حبه لهم على البذل بالمال و النفس في الذب عنهم، و تجاوز ذلك حدّ العشق، و أنت تعلم أن حبك لهؤلاء ليس لصورهم الظاهرة، فإنك لم تشاهدها، و لو شاهدتها ربما لم تستحسنها، و إن استحسنت، فلو تشوهت صورهم الظاهرة، و بقيت صفاتهم المعنوية الباطنة، لبقي حبهم. و إذا فتشت عن محبوبك منهم، رجع- بعد التفصيل الطويل الذي لا يحتمله هذا الكتاب- إلى ثلاث صفات: العلم و القدرة و النزاهة عن العيوب. أما العلم، فكعلمهم باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و عجائب ملكوته و دقائق شريعة أنبيائه. و أما القدرة، فكقدرتهم على أنفسهم بكسر شهوتها، و حملها على الصراط المستقيم. و قدرتهم على العبادة بسياستهم، و إرشادهم إلى الحق. و أما النزاهة، فكسلامة باطنهم من عيب الجهل و البخل و الحسد و خبائث الأخلاق؛ و اجتماع كمال العلم و القدرة مع حسن الأخلاق، و هو حسن الباطن، و هي الصورة الباطنة التي لا تدركها البهيمة، و من في مثل حالها بالبصر الظاهر.
ثم إذا أحببت هؤلاء بهذه الصفات، و علمت أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان أجمع منهم لهذه الخصال، كان حبك له أشد بالضرورة، فارتفع نظرك الآن من النبي إلى مرسل النبي و خالقه و المتفضل على الخلق ببعثه، لتعلم أن بعثه الأنبياء حسنة من حسناته. ثم انسب قدرة الأنبياء و علمهم و طهارتهم إلى علم اللّه سبحانه و قدرته و قدسه، لتعلم أنه لا قدّوس سوى الواحد الحق، و أن غيره لا يخلو من عيب و نقص؛ بل العبودية أعظم أنواع