الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٢
دموعه. و قال أبو بكر الصديق- رضي اللّه عنه- لطائر: «ليتني مثلك يا طائر و لم أخلق». و قال أبو ذر- رضي اللّه عنه-: «وددت لو أني شجرة تعضد» [١]. و قالت عائشة- رضي اللّه عنه: «وددت لو أني نسيا منسيّا». و قد حكينا أحوال الخائفين في كتاب الخوف فليتأمل القاصر عن ذروة المعرفة، أحوال الأنبياء و الأولياء و العارفين، ليعلم أنه أحقّ بالخوف منهم، و إذا تأمل ذلك بالحقيقة غلبه خوفه.
فصل
الخوف سوط يسوق العبد إلى السعادة. و لا ينبغي أن يفرط بحيث يورث القنوط، فذلك مذموم؛ بل إذا غلب ينبغي أن يمزج الرجاء به. نعم، ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء ما دام العبد مقارفا للذنوب، فأما المطيع المتجرد للّه تعالى، فينبغي أن يعتدل خوفه و رجاؤه، مثل عمر- رضي اللّه عنه- حيث قال: «لو نودي ليدخلن الجنة جميع الخلق إلا رجل واحد لخفت أن أكون أنا ذلك الرجل، و لو نودي ليدخلن النار جميع الخلق إلا رجل واحد لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل». و أما اذا قرب الموت فالرجاء و حسن الظن بربه أولى به، قال صلى اللّه عليه و سلم: «لا يموتن أحدكم إلا و هو يحسن الظن بربّه».
و الرجاء يخالف التمنّي، فإن من لا يتعاهد الأرض و لا يبث البذر، ثم ينتظر الزرع، فهو متمنّ مغرور فليس براج، إنما الرّاجي من تعهد الأرض و سقاها، و بث البذر و حصل كل سبب يتعلّق باختياره، ثم بقي يرجو أن يدفع اللّه الصواعق و القواطع، و أن يمكّنه من الحصاد بعد الإنبات، و لذلك قال عز و جل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:
٢١٨]. و بالجملة فثمرة الرجاء الترغيب في الطلب، و ثمرة الخوف الترغيب في الهرب.
و من رجا شيئا طلبه، و من خاف شيئا هرب منه. و أقلّ درجات الخوف ما يحمل على ترك الذنوب، و على الإعراض عن الدنيا، و ما لا يحمل على ذلك فهو حديث نفس، و خواطر لا وزن لها، تشبه رقة النساء، و لا ثمرة لها؛ بل الخوف إذا تم أثمر الزهد في الدنيا، فلنذكر الزهد و معناه:
[١] أي تقطع و عضده قطعه.