الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢١
يخاف. فمعرفة الجلال و العزة و الاستغناء، يورث الهيبة بالضرورة، و هذا أكمل أنواع الخوف و أفضلها.
[فصل فى علاج الخوف و تحصيله]
علاج الخوف و تحصيله على رتبتين: إحداهما، معرفة اللّه تعالى، فإنها توجب الخوف بالضرورة؛ فإن الواقع في مخالب السبع لا يحتاج إلى علاج ليخاف إن كان يعرف السبع. و من عرف جلال اللّه تعالى و استغناءه و أنه خلق الجنة و خلق لها أهلا، و خلق النار و خلق لها أهلا، و أنه تمت كلمته بالسعادة و الشقاوة في حق كل أحد صدقا و عدلا، و أن ذلك لا يتصور تغييره و لا يصرفه عن تنفيذ قضائه الأزليّ صارف، و هو لا يدري ما الذي سبق به القضاء في حقه، و لا يدري ما الذي يختم له به، و احتمل عنده أن يكون مقضيّا له بشقاوة الأبد، فهذا لا يتصور أن لا يخاف. و أما من عجز عن حقيقة المعرفة فعلاجه النظر إلى الخائفين، و مشاهدة أحوالهم أو سماع ذلك؛ فإن أخوف خلق اللّه الأنبياء، و الأولياء، و العلماء، و أهل البصيرة، و أعظم الخلق أمنا الغافلون الأغبياء، الذين لا يمتد نظرهم لا إلى السابقة، و لا إلى الخاتمة، و لا إلى معرفة جلال اللّه تعالى.
و هذا، كما أن الصبي لا يخاف الحية ما لم ينظر إلى أبيه يخافها و يهرب منها و ترتعد فرائصه إذا رآها، فينظر إليه فيقلده، و يستشعر خوفه، و إن لم يعرف بالحقيقة صفة الحية؛ و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: «ما جاءني جبرائيل عليه السلام قط إلا و هو يرتعد فرائصه فرقا [١] من النار»، و قيل لما ظهر على إبليس ما ظهر، طفق جبرائيل و ميكائيل يبكيان، فأوحى اللّه سبحانه إليهما: ما لكما تبكيان؟ قالا: يا رب ما نأمن مكرك، فقال اللّه تعالى: هكذا كونا لا تأمنا مكري! فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩].
و قيل لما خلق اللّه تعالى النار، طارت أفئدة الملائكة عن أماكنها، فلما خلق بني آدم عادت. و كان أزيز [٢] قلب إبراهيم- عليه السلام- يسمع في الصلاة من مسيرة ميل.
و بقي داود- عليه السلام- أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه حتى نبت الرعى [٣] من
[١] فرق فرقا من باب تعب: خاف.
[٢] أزّت القدر: اشتد غليانها.
[٣] الرعى بالكسر الكلأ جمعه أرعاء.