الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٢
بذلك لأنك تستحقر التعب سنة مثلا بالإضافة إلى بقية العمر، و جملة عمرك بالإضافة إلى الأبد أقلّ من سنة بالإضافة إلى عمرك، بل لا إضافة بينهما، فتفكر فيه لينكشف لك جهلك على القرب. و لعلك تقول إنما أفعل ذلك على توقع العفو، فإن اللّه تعالى كريم رحيم. فأقول: و لم لا تترك الحراثة و التجارة و طلب المال على توقع العثور على كنز في خراب، فإن اللّه كريم لا ينقص من ملكه شيء لو عرّفك في منامك كنزا من الكنوز حتى تأخذه؟ فإن قلت: ذلك نادر و إن كان داخلا في قدرة اللّه تعالى. فاعلم أن توقع العفو مع خراب الأعمال و الأخلاق كتوقع كنز في خراب بل أبعد منه و أندر؛ و قد نبهك اللّه تعالى عليه و قال: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: ٣٩]، و قال اللّه تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ [ص: ٢٨] الآية.
و رغبك عن طلب المال فقال اللّه تعالى: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦].
فما بالك تكذّب بكرمه في الدنيا و لا تتكل عليه، ثم تخدع نفسك بالكرم في الآخرة و أنت تعلم أن رب الدنيا و الآخرة واحد؟
فصل
لعلك تقول: عواقب أمور الدنيا قد انكشفت لي بالعيان و اطمأن قلبي إليها، و أما أمر الآخرة فلم أشاهده و لست أجد تصديقه الحقيقي في قلبي؛ فلذلك فترت رغبتي في ترك الدنيا نقدا بما هو موعود نسيئة و لست أثق به. فأقول: لو كنت من أرباب البصائر لانكشف لك أمر الآخرة صريحا كما انكشف أمر الدنيا؛ و إذا لم تكن من أهله فتفكر في أقاويل أرباب البصائر، فإن الناس في أمر الآخرة أربعة أصناف:
صنف أثبتوا الجنة و النار كما ورد به القرآن، و قد سمعت أنواع نعيمها و أنكال جحيمها.
و صنف لم يثبتوا اللّذات و الآلام الحسية بل أثبتوهما على سبيل التخيل، كما في المنام، حتى يكون كل واحد في جنة أو نار يراها وحده، و زعموا أن تأثير ذلك فيه كتأثير الحقيقة، لأن تألم النائم كتألم اليقظان، و إنما يخلص عنه بالتنبه، و ذلك في الآخرة دائم لا انقطاع له.