الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٠
الجربزة [١]، و الدهاء، و المكر، و الخداع. و يحصل من تفريطها و ضعفها: البله، و الحمق، و الغمارة [٢]، و البلادة، و الانخداع.
فهذه هي روابط الأخلاق؛ و إنما معنى حسن الخلق في الجميع وسط بين الإفراط و التفريط، فخير الأمور أوسطها. و كلا طرفي قصد الأمور ذميم، و لذلك قال عز و جل:
وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩]، و قال تعالى: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [الفرقان:
٦٧]، و قال تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩]. و مهما مال واحد من هذه الجملة إلى الإفراط و التفريط فبعد لم يكمل حسن الخلق.
[فصل طريق إصلاح هذه الأخلاق كلها المجاهدة و الرياضة]
طريق إصلاح هذه الأخلاق كلها المجاهدة و الرياضة. و معنى المجاهدة أن يكلّف الصفة المفرطة الغالبة خلاف مقتضاها فتعمل بنقيض موجبها، فإن غلب البخل فلا تزال تتكلف البذل بالمجهود، و تداوم عليه مرة بعد أخرى، حتى يسهل عليك البذل في محله؛ فإن غلب التبذير فلا تزال تتكلف الإمساك حتى يصير عادة فيسهل عليك الإمساك في محله. و كذلك في خلق الكبر و سائر الأخلاق، و قد ذكرناه في كتاب رياضة النفوس على التفصيل. و ينبغي أن تعلم أن من يبذل تكلّفا فليس بسخيّ، و أن من يتواضع تكلفا فهو ثقيل على نفسه، و هو عاطل عن خلق التواضع، بل الخلق عبارة عن هيئة للنفس يصدر عنها الفعل بسهولة من غير رويّة و تكلف. لكن التكلف هو طريق تحصيل الخلق، فإنه لا يزال يتكلف أوّلا حتى يصير طبعا و عادة. فيفهم من هذا أن البخيل قد يبذل و أن السخيّ قد يمسك. فلا تنظر إلى الفعل بل إلى الهيئة الراسخة التي تصدر منها الأفعال بيسر من غير تكلف. و اعلم أن تفاوت الناس في الحسن الباطن، كتفاوتهم في الحسن الظاهر، و لن يسلم الحسن المطلق إلا على الندور، و إنما سلم ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حتى أثنى اللّه سبحانه عليه فقال: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]. و ليست النجاة موقوفة على الكمال البالغ لكن على أن يكون الميل إلى الحسن أكثر، فإن القبيح
[١] الجربزة: الخبث.
[٢] الغمر: الحقد وزنا و معنى، و رجل غمر لم يجرّب الأمور.