الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٦
كيف و قد انضم إليه العقوبة و إحباط العبادة، و أنه ربما يترجح به كفة السيئات بعد أن قارنت كفة الحسنات، فيكون سبب هلاكه! و ليقرر على نفسه أن رضى الناس غاية لا تدرك، و من طلب رضي الناس بسخط اللّه تعالى أسخط اللّه عليه. فكيف يترك رضى اللّه بما لا يطمع في حصوله؟
و أما الباعث الثاني، و هو الخوف من ذمهم؛ فيقرر على نفسه أن ذمهم لن يضره إن كان محمودا عند اللّه عز و جل، و لم يتعرض لذم اللّه و مقته خوفا من ذم الخلق، و يكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء لمقتوه، و يأبى اللّه إلا أن يكشف سره حتى يعرف نفاقه فيمقته الناس أيضا بعد أن يمقته اللّه عز و جل. و لو أخلص و أعرض بقلبه عنهم و جرّد نظره إلى اللّه تعالى لكشف لهم إخلاصه له و أحبوه.
و أما باعث الطمع، فيدفعه بأن يعلم أن ذلك أمر موهوم، و فوات رضي اللّه تعالى ناجز، و يعلم أن اللّه تعالى هو المسخر للقلوب، و أن من طمع في الخلق لم يخل عن الذل و المهانة و المنّة، و من أعرض عن الطمع في الخلق كفاه اللّه تعالى و سخر له القلوب. فإذا أحضر في قلبه نعيم الآخرة و الدرجات الرفيعة، و علم أن ذلك يفوت بالرياء أعرض قلبه عن الخلق و اجتمع همه و فاضت عليه أنوار الإخلاص و أمده اللّه سبحانه بمعونته و توفيقه.
[فصل علاج الريا]
لعلك تقول إني قرّرت هذا كله في نفسي، و نفر عن الرياء قلبي، و لكن ربما هجم عليّ وارد الرياء بغتة في بعض العبادات عند اطّلاع الخلق، فما العلاج منه عند هجومه؟
فاعلم أن أصل هذا العلاج، أن تخفي عبادتك كما تخفي فواحشك، ففيه السلامة. روي أن بعض أصحاب أبي حفص الحداد ذمّ الدنيا و أهلها فقال له: أظهرت ما كان سبيلك أن تخفيه، لا تجالسنا بعد هذا. و إخفاء العبادة، إنما يشق في البداية، فإذا صار عادة ألف الطبع لذة المناجاة في الخلوة. و مهما هجم وارد الرياء فعلاجه أن تجدّد على قلبك ما رسخ فيه من قبل من المعرفة بالتعرض لمقت اللّه عز و جل، مع عجز الناس عن منفعتك و مضرّتك، حتى تنبعث منه كراهية لداعية الرياء. ثم الشهوة تدعو إلى إجابة الرياء بتحسين العمل و الفرح به، و الكراهية تدعو إلى رده و الإعراض عنه، و تكون اليد للأقوى. فإن قويت الكراهية حتى منعتك من الركون إليه، و استصحبت