الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٠
لكيلا يرى الناس أنه صائم، و إذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله، و إذا صلى فليرخ ستر بابه، فإن اللّه تعالى يقسم الثناء كما يقسم الرزق». و لهذا قال عمر- رضي اللّه عنه- لرجل طأطأ رقبته: «يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك؛ ليس الخشوع في الرقاب، و إنما الخشوع في القلوب». و قال نبينا صلى اللّه عليه و سلم: «إن المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي، يا غاوي، يا فاجر، يا خاسر، اذهب فخذ أجرك ممن عملت له، فلا أجر لك عندنا». و قال قتادة- رحمة اللّه عليه-: إذا راءى العبد يقول اللّه تعالى: «انظروا كيف يستهزئ بي». و قال الحسن- رحمه اللّه عليه-: «صحبت أقواما إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة لو نطق بها نفعته و نفعت أصحابه، و ما يمنعه منها إلا الشهرة».
فصل
حقيقة الرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات و أعمال الخير. و ما يراءى به ستة أصناف:
الأول: الرياء من جهة البدن: و هو إظهار النحول و الصغار ليظنّ به السهر و الصيام، و إظهار الحزن ليظن به أنه شديد الاهتمام بأمر الدين، و إظهار شعث الشعر ليظن به أنه لشدة استغراقه بالدين ليس يتفرّغ لنفسه، و إظهار ذبول [١] الشفتين ليستدل به على صومه، و خفض الصوت ليستدل به على ضعفه من شدة المجاهدة.
الثاني: الرياء بالهيئة: كحلق الشارب و إطراق الرأس في المشي، و الهدوء في الحركة، و إبقاء أثر السجود على الوجه، و تغميض العينين ليظن به أنه في الوجد و المكاشفة أو غائص في الفكر.
الثالث: الرياء في الثياب: كلبس الصوف و الثوب الخشن و تقصيره إلى قريب من الساق، و تقصير الكمين و ترك الثوب مخرّقا و وسخا، ليظنّ أنه مستغرق الوقت عن الفراغ له، و لبس المرقّعة و السجادة، ليظنّ أنه من الصوفية مع إفلاسه عن حقائق التصوف، و لبس الدّراعة و الطيلسان [٢]، و توسيع الأكمام ليظن أنه عالم، و التقنّع فوق
[١] ذبل الشيء ذبولا ذهبت ندوته. و الذبلاء: اليابسة الشفة.
[٢] الدراعة: القميص. و الطيلسان، فارسي معرب: لباس العجم.