الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٦
الأصل الرابع في الحسد:
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»، و قال عليه السلام: «ثلاث لا ينجو منهن أحد: الظن، و الطيرة، و الحسد، و سأحدثكم بالمخرج من ذلك، إذا ظننت فلا تحقّق، و إذا تطيّرت فامض، و إذا حسدت فلا تبغ». و قال عليه السلام: «دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد و البغضاء، و البغضة هي الحالقة [١]».
و قال زكريا عليه السلام: قال اللّه تعالى: «الحاسد عدو لنعمي، مسخط لقضائي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي».
و اعلم أن الحسد حرام، و هو أن تحب زوال النعمة من غيرك، أو تحب نزول مصيبة به، و لا تحرّم المنافسة، و هي أن تغبط و تشتهي لنفسك مثله، و لا تحب زوالها منه. و يجوز أن تحب زوال النعمة ممن يستعين بها على الظلم و المعصية، لأنك لا نريد زوال النعمة، و إنما تريد زوال الظلم؛ و علامته أنه لو ترك الظلم و المعصية لم تحب زوال نعمته. و سبب الحسد إما الكبر، و إما العداوة، و إما خبث النفس، إذ يبخل بنعمة اللّه على عباده من غير غرض فيه له.
[فصل الحسد من الأمراض العظيمة للقلب]
اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلب، و مرض القلب لا يداوى إلا بمعجون العلم و العمل:
فأما العلاج العلمي: فهو أن يعلم أن حسده يضره و لا يضر محسوده بل ينفعه؛ أمّا أنه يضره، فهو أنه يبطل حسناته، و يعرضه لسخط اللّه تعالى، إذ يسخط قضاء اللّه و يشح بنعمته التي وسعها من خزائنه على عباده، و هذا ضرر في دينه. و أما ضرره في دنياه، فهو أنه لا يزال في غم دائم و كمد لازم: و ذلك مراد عدوه منه، فإن أهم أغراض عدوه و أكمل النعمة عليه، حزن حاسده، فقد كان يريد المحنة لعدوه فحصلت له. و الحسود لا يخلو قط من الغم و المحنة؛ إذ لا يزال أعداؤه أو واحد منهم في نعمة. و أمّا أنّه ينفع عدوه و لا يضره؛ لأن النعمة لا تزول بحسده، و أنه يضاعف حسناته؛ إذ تنتقل حسنات الحاسد
[١] الحالقة: المميتة، و من معانيها السنة الشديدة التي تحلق كل شيء.