الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٢
و بين اللّه- عز و جل- و إن كان الفقيه يفتي بسقوط المهر و صحة الإبراء؛ لأن اللّه تعالى قال: «فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا»؛ و ليس هذا طيبة النفس بل طيبة القلب. و الفقيه لا يميز بين الأمرين، لأن شغفه بقطع الخصومات الظاهرة لا غير.
و الحجامة و شرب الدواء البشيع لا تطيب به النفس بل يطيب به القلب، و كذلك كلّ ما يأباه الطبع و يريده العقل لمصلحة البدن في العاقبة. و هذا باب طويل، و أصله أن لا تستحلّ مال غيرك إلا برضاء مطلق صاف.
و ينبغي أن لا تأكل من السؤال، فإن سألت فاحذر أن تسأل على الملأ؛ فربما يعطى بالحياء، و ذلك ليس مقرونا بالرضاء، فإن المستحي يؤثر ألم إزالة الملك على ألم الحياء. و لا فرق بين أن تأخذ ماله بضرب ظاهره بالسوط، و بين أن تأخذه بضرب باطنه بسوط الحياء، فالكل مصادرة. و احذر أيضا أن يعطيك بالدّين، و ذلك بأن يعطيك لظنه أنك ورع تقيّ فتأكل بالدين؛ و يكون من شرط حلّه، أن لا يكون في باطنك ما لو اطلع عليه المعطي لامتنع من الإعطاء؛ فلا فرق بين من يأخذ بالتصوّف و التقوى، و ليس هو متصفا به باطنا، و بين من يزعم أنه علوي ليعطى و هو كاذب. و كل ذلك حرام عند ذوي البصائر و إن أفتى الفقيه بالحل بناء على الظاهر.
الفن الثاني: أن تراجع قلبك، و إن أفتوك، فإن الإثم حزّاز القلوب، فالذي يضرك ما حاك في قلبك، و لذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «استفت قلبك و إن أفتوك و أفتوك». و هذا السر طويل ذكره، و لكن اعلم على الجملة أن المحذور من الحرام إظلام القلب، و المطلوب من الحلال تنويره، و ذلك يتشعب من اعتقادك لا من نفس المعتقد.
فمن وطئ امرأة على أنها أجنبية، فإذا هي منكوحته حصل إظلام القلب، و لو وطئ أجنبية على ظن أنها زوجته لم يحصل. و كذلك في النجاسات و الطهارات المؤثّرة في تنوير القلب وهمك و اعتقادك؛ فما أمرت بأن تصلي و ثوبك طاهر، بل أن تصلي و أنت تعتقد أنه طاهر. فاستشعار الطهارة مؤثّر في إشراق القلب، و إن لم يكن على وفق الحال؛ و لذلك نقول: إن من صلى ثم تذكر أنه كان معه نجاسة، فليس عليه الإعادة على الأصح؛ لأنه صلى اللّه عليه و سلم خلع نعليه في أثناء صلاته لما أخبره جبريل- عليه السلام- بأن عليهما قذرا، و استمر فيها. و لذلك يشدد الأمر على الموسوس، فإنه ما لم يطمئن قلبه