الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٢
الخامس: أن لا تقتصر على اقتباس الأنوار، بل تضيف إليها اقتباس الأحوال و الآثار، و ذلك أن لا تقرأ آية إلا و أن تصير بصفتها، فتكون لك بحسب كل فهم حال و وجد، فعند ذكر الرحمة، و عند المغفرة، تستبشر كأنك تطير من الفرح، و عند ذكر الغضب و شدة العقاب، تتضاءل كأنك تموت من الفزع، و عند ذكر اللّه و أسمائه و عظمته، تتطأطأ و تتصاغر حتى كأنك تنمحق من مشاهدة الجلال، و عند ذكر الكفار ما يستحيل عليه من ولد و صاحبة، تنكسر و تغض صوتك كأنك تنطمس من الحياء، و كذلك في كل صنف من الأصناف العشرة، و ذلك أيضا يطول. و ليظهر أثر ذلك على جوارحك من بكاء عند الحزن، و عرق جبين عند الحياء، و اقشعرار الجلد، و ارتعاد الفرائص عند الهيبة و الجلال، و انبساط في الأعضاء و اللسان و الصوت عند الاستبشار، و انقباض فيها عند الاستشعار، فإذا فعلت ذلك، اشترك في نيل حظ القرآن جميع أعضائك، و فاضت آثار القرآن على عوالمك الثلاثة، أعني: عالم الملكوت، و عالم الجبروت، و عالم الشهادة.
و اعلم أن محض أنوار المعرفة تفيض من عالم الملكوت إلى سرّ القلب، لأنه أيضا من الملكوت، و أما آثارها من الخشية و الخوف و السرور و الهيبة و سائر الأحوال، فإنها تهبط من عالم الجبروت، و مهبطها الصدر الذي هو عالم الجبروت، و هو عالم آخر من عوالمك، كنينا عنه بالصدر كما كنينا عن الأول بالقلب، لأن عالم الجبروت بين عالم الملكوت و عالم الشهادة، كما أن الصدر بين القلب و الجوارح. و أما البكاء و الشهيق و الاقشعرار و ارتعاد الفرائص، فتنزل من عالم الشهادة، و مهبطها الجوارح، لأنها من عالم الشهادة، و ما أراك تفهم من القلب غير اللحم الصنوبري الشكل، و من الصدر غير العظم المحيط به، فإنك لا تدرك من كل شيء إلا غلافه و قشره، و ما أبعدك عن درك الحقائق، فإن هذا يوجد للبهائم و الميت، و لا تنزل عليه أنوار المعارف و العلوم و لا آثارها من الخشية و الهيبة و السرور، فإن أردت أن تستنشق شيئا من روائح هذه الأسرار- و ما أراك تريد- فقد أخذ الشيطان بمخنقك بحبال الشهوات، فعليك بباب التوحيد من أول كتاب التوكل إن أردته.
و اعلم أن القرآن كالشمس، و فيضان أسرار المعارف منه على القلب كفيضان أنوار الشمس على الأرض، و سريان آثار الخوف و الخشية و الهيبة و سائر الأحوال منه على