الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٤
الثالث: أن تخرجه من أطيب أموالك و أجودها؛ قال اللّه تعالى: وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ [النحل: ٦٢]. و قال اللّه: وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ [البقرة: ٢٦٧]. الآية. و قال صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه طيب لا يقبل إلا الطيب» يعني الحلال، فإن المقصود من هذا إظهار درجة الحب، و الإنسان يؤثر الأحب إليه الأنفس دون الأخسّ.
الرابع: أن تعطي بوجه طلق مستبشر، و أنت به فرحان غير مستكره؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «سبق درهم مائة ألف» و إنما أراد ما يعطيه عن بشاشة و طيبة نفس من أنفس ماله و أجوده، فذلك أفضل من مائة ألف مع الكراهة.
الخامس: أن تتخير لصدقتك محلا تزكو به الصدقة؛ و هو المتقي العالم الذي يستعين بها على طاعة اللّه عز و جل و تقواه، أو الصالح المعيل ذو الرحم.
فإن لم تجتمع هذه الأوصاف، فتزكو للصدقة بآحادها أيضا. و رعاية الصلاح أصل الأمور، فما الدنيا إلا البلغة [١] للعباد و زاد لهم إلى المعاد، فليصرف إلى المسافرين إليه المتخذين هذه الدار منزلا من منازل الطريق. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لا تأكل إلا طعام تقيّ، و لا يأكل طعامك إلّا تقيّ».
الأصل الثالث في الصيام:
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يقول اللّه سبحانه: كل حسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلّا الصيام، فإنه لي و أنا أجزي به». و قال عليه السلام: «لكل شيء باب و باب العبادة الصوم»، و إنما كان الصوم مخصوصا بهذه الخواص لأمرين: أحدهما أنه يرجع إلى كفّ، و هو عمل سرّ لا يطلع عليه أحد غير اللّه تعالى لا كالصلاة و الزكاة و غيرهما.
و الثاني أنه قهر لعدو اللّه؛ فإن الشيطان هو العدو، و لن يقوى العدو، إلا بواسطة الشهوات، و الجوع يكسر جميع الشهوات التي هي آلة الشيطان، فلذلك قال عليه السلام: «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاري الشيطان بالجوع»، و هو سرّ قوله صلى اللّه عليه و سلم «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنان، و غلقت أبواب النيران، و صفدت الشياطين، و نادى مناد: يا باغي الخير هلمّ و يا باغي الشر أقصر».
[١] البلغة: ما يكفي من العيش.