الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٨
فكيف ترى اشتعال نيران الحسرة في قلبك، و بدنك بمعزل منه؟ و كم تقول: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦] و يا ليتنا نردّ و نعمل غير الذي كنا نعمل؟، فتقول لهم: أفيضوا علينا من الماء ممّا أفيض عليكم، فيقولون لك: هذا حرام عليك، أ لم تكن تسخر منّا و تضحك علينا، فلا بد و أن نسخر اليوم منك كما سخرت منّا.
فلا يزال ينقطع نياط [١] قلبك من التحسر و لا ينفعك التحسر، و لكن تتسلى و تقول:
الموت يخلصني من هذا.
فاعلم أن حال تارك الطاعات في الآخرة كذلك ينكشف له، و لكن لا مطمع في الموت المخلّص، بل هي حسرة أبدية دائمة، و الألم يتضاعف كل يوم، و إن كان البدن بمعزل عنه، و عنه العبارة بقوله تعالى: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، قالُوا: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ [الأعراف: ٥٠].
و كذلك يفيض على أهل المعرفة و الطاعة من أنوار جمال الوجه ما تحصل به من اللّذّة مبلغ لا يوازيه نعيم الدنيا، بل يعطى آخر من يخرج من النار مثل الدنيا عشر مرات كما ورد به الخبر، لا بمعنى تضاعف المقدار بالمساحة، بل بتضاعف الأرواح، كما أن الجوهر يكون عشرة أمثال الفرس لا بالوزن و المقدار، بل بروح المالية، إذ قيمته عشرة أمثاله.
و اعلم أن تحريم تلك اللذات و إفاضتها عليهم ليس من جنس تحريم الرجل نعمه على عبده بغضب أو باختيار، حتى يتصور تغييره، بل هو كتحريم اللّه تعالى على الأبيض أن يكون أسود في حالة البياض، و على الحار أن يكون باردا في حالة الحرارة؛ و ذلك لا يتصور فيه التبديل، بل مثال ذلك أن يقول للعالم الكامل رجل شيخ هرم من الجهال الذي كان بليدا في أصل الفطرة و لم يمارس قطّ علما و لم يتعلم لغة: أفض على قلبي من دقائق علومك، فيقول: إن اللّه حرّمه على الجاهلين: معناه أن الاستعداد لقبوله إنما يكتسب بذكاء فطريّ، و ممارسة طويلة للعلم، بعد تعلم اللغة العربية و أمور أخر كثيرة.
و إذا بطل الاستعداد و فات استحالة الإفاضة، كما يستحيل إفاضة الحرارة على البرودة مع بقاء البرودة، فلا تظنن أن اللّه تعالى يغضب عليك فيعاقبك انتقاما، ثم تخدع نفسك
[١] نياط: شريان أو هو العرق الغليظ المتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه من فوره.