الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧١
[فصل فهل يتمثل التنين تمثلا يشاهده مشاهدة تضاهي إدراك البصر]
فإن قلت: فهل يتمثل هذا التنين تمثلا تشاهده مشاهدة تضاهي إدراك البصر، أم هو تألم محض في ذاته كتألم العاشق إذا حيل بينه و بين معشوقه؟
فأقول: لا بل يتمثل لك حتى تشاهده، و لكن تمثلا روحانيا لا على وجه يدركه من هو بعد في عالم الشهادة إذا نظر في قبره، فإن ذلك من عالم الملكوت. نعم، العاشق أيضا قد ينام فيتمثل له حاله في المنام، فربما يرى حية تلدغ صميم فؤاده. لأنه بعد بالنوم من عالم الشهادة قليلا، فيتمثل له حقائق الأشياء تمثلا محاكيا للحقيقة، منكمشا له من عالم الملكوت، و الموت أبلغ في الكشف من النوم، لأنه أقمع لنوازع الحس و الخيال، و أبلغ في تجريد الروح عن غشاوة هذا العالم. فلذلك يكون ذلك التمثل تامّا متحققا دائما لا يزول، فإنه نوم لا ينتبه منه إلا يوم القيامة: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ٢٢]. و اعلم أن المتيقظ بجنب النائم إن كان لا يشاهد الحية التي تلدغ النائم، فذلك غير مانع من وجود الحية في حقه، و حصول الألم به؛ فكذلك حال الميت في القبر.
[فصل أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة و المشاهدة]
لعلك تقول: قد أبدعت قولا مخالفا للمشهور، منكرا عند الجمهور، إذ زعمت أن أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة و المشاهدة إدراكا مجاوزا حدّ تقليد الشّرائع، فهل يمكنك- إن كان كذلك- حصر أصناف العذاب و تفاصيله؟
فاعلم أن مخالفتي للجمهور لا أنكره، و كيف تنكر مخالفة المسافر للجمهور! فإن الجمهور يستقرون في البلد الذي هو مسقط رءوسهم و محل ولادتهم، و هو المنزل الأول من منازل وجودهم، و إنما يسافر منهم الآحاد. و اعلم أن البلد منزل البدن و القال؛ و إنما منزل الروح الإنساني عوالم الإدراكات، و المحسوسات منزله الأول، و المتخيّلات منزله الثاني، و الموهومات منزله الثالث. و ما دام الإنسان في المنزل الأول فهو دود و فراش؛ فإن فراش النار ليس له إلا الإحساس، و لو كان له تخيل و حفظ للمتخيّل بعد الإحساس لما تهافت على النار مرة بعد أخرى، و قد تأذى بها أولا، فإن الطير و سائر الحيوان إذا تأذى في موضع بالضرب يفرّ منه و لم يعاوده لأنه بلغ المنزل الثاني، و هو حفظ المتخيّلات بعد غيبوبتها عن الحس. و ما دام الإنسان في المنزل الثاني بعد فهو بهيمة