الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٠
و البغضاء. و أصل ذلك معلوم بالبصيرة، و كذلك كثرة رءوسه اللداغة؛ أما انحصار عددها في تسعة و تسعين، إنما يوقف عليه بنور النبوة فقط. فهذا التنين متمكن في صميم فؤاد الكافر، لا بمجرّد جهله بالكفر، بل لما يدعو إليه الكفر، كما قال اللّه تعالى:
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ [النحل: ١٠٧]. و قال اللّه تعالى:
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها ... [الأحقاف: ٢٠] الآية. و هذا التنين لو كان كما تظنه خارجا من ذات الميت، لكان أهون، إذ ربما يتصور أن ينحرف عنه التنين أو ينحرف هو عنه، لا بل هو متمكن من صميم فؤاده، تلدغه التنين لدغا أعظم مما تفهمه من لدغ التنين، و هو بعينه صفاته التي كانت معه في حياته كما أن التنين التي تلدغ قلب العاشق إذا باع جاريته، هو بعينه الذي كان مستكنّا في قلبه استكنان النار في الحجر و هو غافل عنه. فقد انقلب ما كان سبب لذّته سبب ألمه، و هذا سرّ قوله عليه السلام:
«إنما هي أعمالكم ترد عليكم»، و قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [آل عمران: ٣٠]، بل سر قوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ [التكاثر: ٥، ٦]، أي أن الجحيم في باطنكم فاطلبوها بعلم اليقين، لترونّها قبل أن تدركوها بعين اليقين؛ بل هو سر قوله تعالى: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [العنكبوت: ٥٤]؛ و لم يقل إنها ستحيط؛ بل قال: هي محيطة؛ و قوله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [الكهف: ٢٩]، و لم يقل يحيط بهم، و هو معنى قول من قال: إن الجنة و النار مخلوقتان. و قد أنطق اللّه لسانه بالحق، و لعله لا يطلع على سر ما يقوله، فإن لم تفهم بعض معاني القرآن كذلك، فليس لك نصيب من القرآن إلا في قشوره، كما ليس للبهيمة نصيب من البر [١] إلا في قشوره الذي هو التّبن. و القرآن غذاء الخلق كلهم على اختلاف أصنافهم، و لكن اغتذاؤهم به على قدر درجاتهم؛ و في كل غذاء مخّ و نخالة و تبن؛ و حرص الحمار على التبن أشد منه من الخبز المتخذ من اللّب. و أنت شديد الحرص على أن لا تفارق درجة البهيمة، و لا تترقى إلى رتبة الإنسانية، بل إلى الملكية، فدونك و الانسراح في رياض القرآن، ففيه متاع لكم و لأنعامكم.
[١] البر: القمح و الحنطة.