الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٦
الحياة، و لن تعرف حقيقة الحياة، ما لم تعرف حقيقة الروح و هي نفسك، و حقيقتك و هي أخفى الأشياء عنك، و لا تطمع في أن تعرف ربك قبل أن تعرف نفسك، و أعني بنفسك روحك التي هي خاصية الأمر المضافة إلى اللّه تعالى في قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥] و في قوله: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩، ص: ٧٢] دون الروح الجسماني اللطيف، الذي هو حامل قوة الحسّ و الحركة، التي تنبعث من القلب، و تنتشر في جملة البدن، في تجاويف العروق الضوارب، فيفيض منها نور حس البصر على العين، و نور السمع على الأذن، و كذا سائر القوى و الحواس، كما يفيض من السراج نور على حيطان البيت إذا أدير في جوانبه؛ فإن هذه الروح تشارك البهائم فيها و تنمحق بالموت، لأنه بخار اعتدل نضجه عند اعتدال مزاج الأخلاط. فإذا انحل المزاج بطل كما يبطل النور الفائض من السراج عند انطفاء السراج؛ بانقطاع الدهن عنه، أو بالنفخ فيه. و بانقطاع الغذاء عن الحيوان تفسد هذه الروح؛ لأن الغذاء له كالدهن للسراج، و القتل له كالنفخ في السراج. و هذه هي الروح التي يتصرف في تعديلها و تقويتها علم الطب، و لا تحمل هذه الروح المعرفة و الأمانة، بل الحمّال للأمانة الروح الخاصة للإنسان، و نعني بالأمانة تقلد عهدة التكليف، بأن يتعرض لخطر الثواب و العقاب بالطاعة و المعصية. و هذه الروح لا تموت و لا تفنى، بل تبقى بعد الموت، إما في نعيم و سعادة، أو جحيم و شقاوة، فإنه محلّ المعرفة. و التراب لا يأكل محل الإيمان و المعرفة أصلا كما نطقت به الأخبار، و شهدت له شواهد الاستبصار. و لم يأذن الشرع في ذكر تحقيق صفته، إذ لا يحتمله إلا الراسخون في العلم؛ و كيف يذكر، و له من عجائب الأوصاف ما لم يحتمله أكثر عقول الخلق في حق اللّه تعالى! فلا تطمع في ذكر حقيقته، و انتظر تلويحا يسيرا في ذكر صفته بعد الموت.
[فصل الروح لا تفنى البتة]
هذه الروح لا تفنى البتة، و لا تموت، بل تتبدل بالموت حالها فقط، و يتبدل منزلها، فتترقى من منزل إلى منزل. و القبر في حقها إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، إذ لم يكن لها مع البدن علاقة سوى استعمالها البدن، و اقتناصها أوائل المعرفة به بواسطة شبكة الحواس. فالبدن آلتها و مركبها و شبكتها، و بطلان الآلة و المركب و الشبكة لا توجب بطلان الصائد؛ نعم، إن بطلت الشبكة بعد الفراغ من الصيد فبطلانه غنيمة، إذ يتخلص من ثقله و حمله، و لذلك قال عليه السلام: «الموت