الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٦
و ملكوته ألذّ الأشياء عند القلب؛ لأن شهوة ذلك أشدّ الشهوات؛ و لذلك يخلق آخرا بعد سائر الشهوات. و كل شهوة تأخرت فهي أقوى مما قبلها؛ فأول ما يخلق شهوة الطعام، ثم يخلق له شهوة الوقاع، فيترك شهوة الطعام لأجله و يستحقر فيه. ثم يخلق له شهوة الرئاسة و الجاه و الغلبة، و يستحقر فيها شهوة المنكح و المطعم. ثم يخلق له شهوة المعرفة التي هي استيلاء على كلّ الموجودات، فيستحقر فيها الجاه و الرئاسة؛ و هي آخر شهوات الدنيا و أقواها.
و كما أن الصبي ينكر شهوة الوقاع، و يتعجب ممن يتحمل مئونة النكاح لأجلها، فإذا بلغ شهوة الوقاع أكبّ عليها و أنكر الجاه و الرئاسة و لم يبال بفواتها في قضاء شهوة الفرج؛ فكذلك المشعوف [١] بشهوة الجاه و الرئاسة، ينكر لذة المعرفة، إذ لم يخلق فيه بعد شهوتها؛ و قد تنتهي شهوة شرهه للجاه إلى مرض قلبه، حتى لا يقبل شهوة معرفة اللّه عز و جل أصلا، كما يفسد مزاج المريض شهوته للغذاء حتى يموت. و قد ينعكس طبعه، فيشتهي الطين و الأشياء المضرة المهلكة، و هي مقدّمات الموت. فكذلك مرض القلب، قد ينتهي إلى حد ينكر المعرفة و يبغضها، و يبغض أهلها و المقبلين عليها، و لا يدرك إلّا لذة الرئاسة أو المطعم و المنكح. و ذلك هو الميت الذي لا يقبل العلاج، و في مثله قيل: إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً، وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً [الكهف: ٥٧] و فيهم قيل: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل: ٢١].
[فصل لذة النظر إلى وجه اللّه الكريم]
هذه المعرفة و إن عظمت لذتها، فلا نسبة لها إلى لذة النظر إلى وجه اللّه الكريم في الدار الآخرة. و ذلك لا يتصور في الدنيا لسرّ لا يمكن الآن كشفه، و لا ينبغي أن تفهم من النظر ما يفهمه العوام و المتكلمون، فيحتاج في تقديره إلى جهة و مقابلة. فذلك من نظر من أقعده القصور في بحبوحة عالم الشهادة، حتى لم يجاوز المحسوسات التي هي مدركات البهائم. لكن ينبغي أن تفهم أن الحضرة الربوبية، تنطبع صورتها و ترتيبها
[١] المشعوف: لغة في المشغوف.