الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥١
اللّه تعالى أحبّه، و من عرف الدنيا زهد فيها. و المؤمن لا يلهو حتى يغفل، و إذا تفكر حزن.
[فصل فى أن أكثر المتكلمين أنكروا محبّة اللّه تعالى]
اعلم أن أكثر المتكلمين أنكروا محبّة اللّه تعالى و أوّلوها، و قالوا: لا معنى لها إلا لامتثال أوامره، و إلا فما لا يشبهه شيء و لا يشبه شيئا، و لا يناسب طباعنا، فكيف نحبه؟
و إنما يتصور منّا أن نحب من هو من جنسنا، و هؤلاء محرومون بجهلهم بحقائق الأمور.
و قد كشف الغطاء عن هذا في كتاب المحبة من كتب الإحياء فطالعها لتصادف منها أسرارا تخلو الكتب عنها. فاقنع في هذا المختصر بتلويحات و إشارات.
[فصل فى أن كلّ لذيذ محبوب]
اعلم أن كلّ لذيذ محبوب، و معنى كونه محبوبا ميل النفس إليه، فإن قوي الميل سمّي عشقا، و معنى كونه مبغوضا نفرة النفس عنه لكونه مؤلما. فإن قوي البغض و النّفرة سمي مقتا. و اعلم أن الأشياء التي تدركها بحواسك و جميع مشاعرك، إما أن تكون موافقة لك ملائمة، و هو اللذيذ، أو تكون منافية مخالفة، و هو المؤلم. أو لا موافقة و لا مخالفة، و هو الذي لا ألم فيها و لا لذة. و كل لذيذ محبوب، أي للنفس الملتذة به ميل لا محالة إليه.
و اعلم أن اللذة تتبع الإدراك، و الإدراك إدراكان: ظاهر و باطن. أمّا الظاهر فبالحواس الخمس، فلا جرم لذة العين في الصور الجميلة، و لذة الأذن في النغمات الموزونة الطيبة، و لذة الذوق و الشم في الطعوم و الروائح الملائمة الموافقة، و لذة جملة البدن في ملابسة الناعم اللين، و جملة ذلك محبوبة للنفس، أي للنفس ميل إليها. و أما الإدراك الباطن، فهو اللطيفة التي محلها القلب، تارة يعبر عنها بالعقل، و تارة بالنور، و تارة بالحس السادس. و لا تنظر إلى العبارات فتغلط، بل قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب و النساء و قرة عيني في الصلاة». فتعلم أن الطيب و النساء فيهما حظ الشم و اللمس و البصر، و الصلاة لا حظ فيها للحواس الخمس، بل للإدراك السادس الذي محله القلب، و لا يدركها من لا قلب له، و أن اللّه يحول بين المرء و قلبه. و من اقتصر من لذته على الحواس الخمس فهو بهيمة، لأن البهيمة تشاركه فيها؛ و إنما