الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٩
غالبا ظاهرا يوثق به، أو موهوم. أما المقطوع به فمثاله أن لا تمتد اليد إلى الطعام و هو جائع، و يقول هذا سعي، و أنا متوكل، أو يريد الولد و لا يواقع أهله، أو يريد الزرع، و لا يبث البذر. و هذا جهل؛ لأن سنّة اللّه تعالى لا تتغير، و قد عرفك أن ارتباط هذه المسببات بهذه الأسباب من السنّة التي لا تجد لها تبديلا. و إنما التوكل فيه بأمرين:
أحدهما، أن تعلم أن اليد و الطعام و البذر و قدرة التناول و جميع ذلك من قدرة اللّه تعالى.
و الثاني، أن لا يتكل عليها بقلبه بل على خالقها، و كيف يتكل على اليد! و ربما يفلج في الحال أو يهلك الطعام، و ذلك تحقيق قولك «لا حول و لا قوة إلا باللّه»، فالحول هي الحركة، و القوة هي القدرة. فإذا كان هذا حالك، فأنت متوكل و إن سعيت. و أما المظنون فكاستصحاب الزاد في البوادي و الأسفار، فليس تركه شرطا في التوكل، بل هي سنّة الأوّلين، بل يكون الاعتماد على فضل اللّه تعالى بدفع السّراق و إبقاء الزاد و الحياة، و القدرة على التناول. و أما الموهومات، فكالاستقصاء في حيل المعيشة، و استنباط دقائق الأمور فيها؛ و ذلك ثمرة الحرص، و قد يحمل على أخذ الشبهة. فكل ذلك يناقض التوكل، و الدليل عليه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم وصف المتوكلين بأنهم لا يكتنون و لا يسترقون، و لم يصفهم بأنهم لا يسكنون الأمصار، و لا يكتسبون، فما نسبته إلى السبب، كنسبة الرّقية و الكي فتركهما من شروط التوكل.
الفن الثاني: من تدبير الأسباب الادخار. فالمتوكل إذا ورث مالا و ادخر لسنة فما فوقه أبطل توكله، و إن قنع بقوت يومه و فرق الباقي فهو تمام التوكل، و إن ادخر لأربعين يوما، قال سهل التستري: بطل توكله، و لا ينال المقام المحمود الذي وعد للمتوكلين؛ و قال الخواص: لا يبطل. و اتفقوا على أن الزيادة عليه يبطل التوكل إلا إذا كان معيلا، فله أن يدخر قوت عياله لسنة، كذلك فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في حق عياله و في حق نفسه؛ كان لا يدخر من غدائه لعشائه. و لا شك أن طول الأمل يناقض التوكل، و مهما قلّت مدة الادخار كانت الرتبة أعظم؛ و لكن سنّة اللّه تعالى جارية بتكرر الأرزاق عند تكرار السنة.
فالادخار لأكثر من سنة غاية الضعف و ليس من التوكل في شيء.
فأما ادخار الكوز و أثاث البيت فذلك جائز، لأن سنة اللّه تعالى لم تجر بتكررها كتكرر الأرزاق، و يحتاج إليها في كل وقت، و ليس كثوب الشتاء، فإنه لا يحتاج إليه في الصيف، و ادخاره على خلاف التوكل؛ قال النبي صلى اللّه عليه و سلم في فقير دفن: «إنه يحشر يوم