الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٥
قال: «أعيدوا الشراك الخلق، فإني نظرت إليه في الصلاة». و كان عليه السلام قد احتذى نعلين جديدين، فأعجبه حسنهما فخرّ ساجدا، فقال عليه السلام: «أعجبني حسنهما فتواضعت لربي خشية أن يمقتني»، ثم خرج بهما فدفعهما إلى أول مسكين رآه. و قد عدّ على قميص عمر- رضي اللّه عنه- اثنتا عشرة رقعة بعضها من أدم. و اشترى علي- رضوان اللّه عليه- في خلافته ثوبا بثلاثة دراهم، و قطع كميه من الرّسغين، و قال: الحمد للّه الذي هذا من رياشه. و قال بعضهم: قوّمت ثوب سفيان و نعله بدرهم و دانقين. و قال علي- رضوان اللّه عليه-: إن اللّه عز و جل أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس، ليقتدي بهم الغني و لا يزري بالفقير فقره.
و أما المسكن، فأدناه أن تقنع بزاوية في مسجد أو رباط، كأهل الصّفّة، و أعلاه أن يطلب لنفسه موضعا خاصّا و هي حجرة إما بشراء أو إجارة، بشرط أن لا يزيد سعته على قدر الحاجة. و لا يرفع بناؤه، و لا يهتم بتجصيصه، و في الأثر: أن من يرفع بناءه فوق ستة أذرع ناداه مناد إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ و مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لم يضع لبنة على لبنة، و لا قصبة على قصبة. و قال عبد اللّه بن عمر- رضي اللّه عنهما-: مرّ بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و نحن نعالج خصّا [١] فقال: إن الأمر أعجل من ذلك. و اتخذ نوح- عليه السلام- بيتا من خص، فقيل له: لو شئت لاتخذته من الطين، فقال: هذا كثير لمن يموت. و قال صلى اللّه عليه و سلم: «من بنى فوق ما يكفيه كلّف أن يحمله يوم القيامة»، و قال عليه السلام: «كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكنّ [٢] من حرّ و برد».
و أما أثاث البيت ففيه أيضا درجات، و أدناها حال عيسى ابن مريم- عليه السلام- إذ لم يكن معه إلا مشط و كوز، فرأى إنسانا يمشط بأصابعه فرمى المشط، و رأى آخر يشرب بيده، فرمى الكوز. و أوسطه، أن يستعمل الجنس الخشن واحدا في كلّ غرض، و يجتهد أن يستعمل واحدا في أغراض. و قال عمر- رضي اللّه عنه- لعمير بن سعيد- و هو أمير حمص-: ما معك من الدنيا؟ فقال: معي عصاي أتوكأ عليها، و أقتل بها حية إن لقيتها، و معي جرابي أحمل فيها طعامي، و معي قصعتي آكل
[١] الخص بالضم البيت من القصب.
[٢] أكن: ستر أو حمى.