الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٥
القسم الرابع في الأخلاق المحمودة و هي أيضا عشرة أصول
الأصل الأول التوبة:
فإنها مبدأ طريق السالكين، و مفتاح سعادة المريدين. قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]. و قال اللّه تعالى: وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً [النور: ٣١]، و قال النبي عليه السلام: «التائب حبيب اللّه، و التائب من الذنب كمن لا ذنب له». و قال عليه السلام: «اللّه أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض فلاة دوية [١] مهلكة، معه راحلته عليها طعامه و شرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ و قد ذهبت راحلته فانفلتت، فطلبها حتى اشتد عليه الجوع و العطش أو ما شاء اللّه عز و جل؛ قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده، و عليها زاده و شرابه. فالله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من هذا براحلته و زاده».
[فصل فى حقيقة التوبة]
حقيقة التوبة الرجوع عن طريق البعد إلى طريق القرب، و لكن لها ركن و مبدأ و كمال: أما مبدؤها فهو الإيمان، و معناه سطوع نور المعرفة على القلب حتى يتّضح فيه أن الذنوب سموم مهلكة، فيشتعل منه نار الخوف و الندم، و ينبعث من هذه النار صدق الرغبة في التلافي و الحذر. أما في الحال فبترك الذنوب، و أما في الاستقبال فبالعزم على الترك، و أما في الماضي فبالتلافي على حسب الإمكان؛ و بذلك يحصل الكمال.
[١] الدّوّيّة و الداوية: الفلاة.