الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٣
و صنف ثالث أثبتوا آلاما عقلية و لذات عقلية، و زعموا أن ذلك أعظم من الحسية، و مثلوا ذلك باستشعار لذة الملك و استشعار زوالها؛ فإن زوال الملك يؤرث [١] آلاما كثيرة بدنية على ما يظفر به عدوه و يأخذ مملكته و يستسخره، مع أن ظفر العدوّ لا يؤلم البدن.
و هؤلاء هم أصناف النظّار، أعني الأصناف الثلاثة، و هم الأنبياء و الأولياء و الحكماء، و كلّهم اتفقوا على إثبات سعادة مؤبدة و شقاوة مؤبدة. فإن السعادة لا تنال إلا بترك الدنيا و الإقبال على اللّه عزّ و جلّ، و لو مرضت و لم تكن من أهل البصيرة في طب و رأيت أفاضل الأطباء قد اتفقوا على شيء لم تتوقف في اتباعهم.
و صنف رابع ليسوا من النظّار في الأمور الإلهية، بل من الأطباء و المنجمين اقتصر نظرهم على الطبائع الأربع و مزاجها، و رأوا قوام الروح موقوفا عليها، و لم يتفطنوا لحقيقة الرّوح الإلهيّ الحقيقي الذي هو العارف باللّه تعالى، بل لم يدركوا إلا الروح الجسماني الذي هو بخار أنضجته حرارة القلب، ينتشر في العروق الضوارب إلى جميع البدن، فيقوم به الحس و الحركة، و هي الروح التي توجد للبهائم أيضا.
فأما الروح الخاص الإنساني المنسوب إلى اللّه سبحانه، حيث قال: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩، ص: ٧٢]، فلم يتفطنوا لها، فظنوا أن الموت عدم، و أنه يرجع إلى فساد المزاج. و أنت في حق هؤلاء بين أمرين: إما أن تجوّز غلطهم، أو تعلم قطعا صحة قولهم؛ فإن جوّزت خطأهم لزمك الإعراض عن الدنيا بمجرد الاحتمال، فإنك لو كنت صادق الجوع و ظفرت بطعام و هممت بأكله، فأخبرك صبي أن فيه سمّا و أن حية و لغت فيه، قاسيت الجوع و تركت الأكل، لأنك تقول: إن كان كاذبا فليس تفوتني إلّا لذة الأكل، و إن كان صادقا ففيه الهلاك؛ و بمثل هذا الاحتمال لا يمكن الهجوم عليه. فليت شعري مع احتمال الخلود في النار كيف يستجرئ العاقل الهجوم عليه، فكيف لا يكون كاليقين التام في الحذر منه، حتى تنبه الشاعر عليه مع ركاكة عقله فقال:
[١] كانت في الأصل يؤثر و هو تصحيف ظاهر.