الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١١
المطلق في الظاهر ممقوت، و الحسن المطلق معشوق، و ما بينهما درجات، فالقريب من الحسن المطلق أسعد في الدنيا من القريب إلى القبح المطلق. و كذلك تتفاوت سعادة الآخرة بحسب تفاوت حسن الصورة الباطنة.
فصل
اعلم أنك قد تظن بنفسك حسن الخلق و أنت عاطل عنه، فإياك أن تغتر، و ينبغي ان تحكّم فيه غيرك فتسأل عنه صديقا بصيرا لا يداهنك. و بالجملة إذا نسبك غيرك إلى سوء الخلق أوشك أن تكون كذلك؛ لأن أكثر الأخلاق يتعلق بالغير فينبغي أن تظهر لهم.
و من مواقع الغرور فيه مثلا أن تغضب فتظن أنك تغضب اللّه تعالى، و تظهر العبادة و تظن أنك تظهر للاقتداء، أو تكف عن الأكل أو طلب الدنيا أو تكظم الغيظ. و إنما يهون عليك ذلك أن تعرف به فيكون الرياء الباعث على الجميع. و كذلك يكثر مواقع الغرور فيه على ما ذكرناه في كتاب الغرور؛ فإن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاءه.
فصل
ينبغي أن تتفقد هذه الأخلاق في قلبك، و تبدأ بالأهم فالأهم، فتقبل على أغلب هذه الصفات فتكسرها على التدريج. و أظن أن الأغلب عليك حبّ الدنيا، و سائر المعاصي و الأخلاق المذمومة تتبعها. و لا يمكنك الخلاص من حب الدنيا إلا بأن تطلب خلوة خالية، و تتفكر في سبب إقبالك على الدنيا و إعراضك عن الآخرة، فلا تجد له سببا إلا محض الجهل و الغفلة، فإن أقصى عمرك في الدنيا مائة سنة. فهب أن مملكة وجه الأرض تسلم لك من المشرق إلى المغرب في مائة سنة، أ ليس يفوتك بها المملكة في مدة لا آخر لها و هي مملكة الآخرة؟ فإن كان لا يدخل في خيالك طول الأبد، فقدّر الدنيا كلّها مملوءة ذرة، فقدّر طائرا يأخذ في كلّ ألف ألف سنة حبة واحدة فتفنى الذرة و لم ينقص من الأبد شيء، لأن الباقي أيضا لا نهاية له كما كان قبل ذلك. و أنت ترى نفسك ترضى بتعب الأسفار إمّا في تجارة أو طلب رئاسة، و هذا التعب الناجذ [١] لأجل شيء موهوم ربما يدركك الموت قبله، و ربما لا يصفو لك إن ظفرت به؛ و إنما ترضى
[١] الناجذ: الشديد المستحكم.