الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٧
حالتك التي كنت عليها، فلم تزد و لم تنقص و لم تتكلف إظهار الفعل و إيثاره، فقد اندفع عنك الإثم و لم تكلف أكثر من ذلك. و أما دفع الخواطر و دفع الطبع عن الميل إلى أقوال الناس، فلا يدخل تحت التكليف، و إنما منتهى التكليف الكراهية و الإباء عن إجابة الداعية.
[فصل يجوز إظهار الطاعات لأجل اقتداء الناس و ترغيبهم إذا صحت النية]
يجوز إظهار الطاعات لأجل اقتداء الناس و ترغيبهم إذا صحت النية، و لم يكن معه شهوة خفية، و علامته أن يقدّر أن الناس لو اقتدوا بأحد أقرانه و كفي مئونة الترغيب، و أخبر بأن أجره في الإسرار كأجره في الإظهار فلا يرغب في الإظهار؛ فإن كان ميله إلى أن يكون هو المقتدى به أكثر، ففيه داعية الرياء، لأنه إن كان يطلب سعادة الناس و خلاصهم، فقد حصل ذلك بغيره و لم يفته إلا إظهار نفسه. و كذلك يجوز كتمان المعاصي و الذنوب، و لكن بشرط أن يكون غرضه أن لا يعتقد فيه الورع، بل لا يعتقد فيه الفسق، و لا بأس بفرحه باستتار معاصيه، و حزنه بانكشافها، إما فرحا بستر اللّه عليه، و إما فرحا بموافقة أمر اللّه تعالى، فإنه تعالى يحب كتمان المعاصي، و ينهى عن المجاهرة بها. و إما لأنه يكره أن يذم فيتألم به، إذ التألم بذم الناس ليس بحرام بل يوجبه الطبع، و إنما الحرام الفرح بمدح الناس إياه بالعبادة؛ فإن ذلك كأجر يأخذه على العبادة. و إما لأنه يستحي من ظهورها، و الحياء غير الرياء، و لكن قد يمتزج به. و أما ترك الطاعة خوفا من الرياء فلا وجه له.
قال الفضيل: الرياء ترك العمل خوفا من الرياء، أما العمل لأجل الناس فهو شرك، بل ينبغي أن يعمل و يخلص، إلا إذا كان العمل فيما يتعلق بالخلق كالقضاء و الإمامة و الوعظ. فإذا علم من نفسه أنه بعد الخوض فيه لا يملك نفسه، بل يميل إلى دواعي الهوى، فيجب عليه الإعراض و الهرب، كذلك فعل جماعة من السلف. و أما الصلاة و الصدقة فلا يتركهما إلا إذا لم تحضره أصلانية العبادة. بل لو تجرّد نية الرياء فلا يصح عمله فليتركه [١]. أما من اعتاد فعله فحضر جماعة فيخاف على نفسه من الرياء، فلا
[١] هكذا في النسخة التي بين أيدينا و المعنى مهزوز.