الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٤
فصل
اعلم أن بعض الرياء جليّ، و بعضه أخفى من دبيب النمل. أما الجليّ، فما يبعث على العمل، حتى لولاه لم يرغب في العمل، و أخفى منه أن لا يستقل بالحمل عليه، و لكن يخفف العمل و يزيد في نشاطه، كالذي يتهجد كل ليلة و إذا كان عنده ضيف زاد نشاطه؛ و أخفى منه أن لا يزيد نشاطه، و لكن لو اطّلع غيره على تهجده قبل فراغه أو بعده فرح به و وجد في نفسه هزّة، و ذلك يدل على أن الرياء كان مستكنّا في باطن القلب استكنان النار تحت الرماد حتى ترشّح منه السرور عند الاطلاع، و قد كان غافلا عنه قبله، و أخفى منه أن لا يسر بالاطلاع، لكن يتوقع أن يبدأ بالسلام و يوقر، و يتعجب ممن يسيء إليه و لا يسامحه في المعاملة، و لا يحترمه، و ذلك يدل على أنه يمنّ على الناس بعمله، فكأنه يتوقع احترامهم و توقيرهم بعبادته مع إخفائه عنهم. و أمثال هذه الخفايا لا يخلو عنها إلا الصدّيقون، و جميع ذلك إثم، و يخاف منه إحباط العمل. نعم، لا بأس أن يفرح باطلاع غيره عليه إذا كان فرحه باللّه تعالى من حيث أظهر منه الجميل، و ستر منه القبيح، مع أنه قصد سترهما جميعا، فيفرح بلطف صنع اللّه تعالى؛ و كذلك يفرح لأنه يبشره بأنه حيث أحسن صنعه به في الدنيا، فكذلك يصنع به في الآخرة. أو يفرح ليقتدي به من يراه أو يطيع اللّه بحمده له عليه. و علامة هذا أن يفرح أيضا، إذا اطلع على غيره ممن يرتجي قدوته.
و من أجل خفاء أبواب الرياء و شدة استيلائه على الباطن احترز أولو الحزم فأخفوا عبادتهم، و جاهدوا أنفسهم. و قد قال عليّ- رضي اللّه عنه-: إن اللّه عز و جل يقول للقراء يوم القيامة، «أ لم يكن يرخّص عليكم في السعر، أو لم تكونوا تبدءون بالسلام، أ لم تكن تقضى لكم الحوائج؟ لا أجر لكم فقد استوفيتم أجوركم». فاجتهد إن أردت الخلاص أن يكون الناس عندك كالبهائم و الصبيان. فلا تفرق في عبادتك بين وجودهم و عدمهم، و علمهم بها أو غفلتهم عنها، و تقنع بعلم اللّه تعالى وحده، و تطلب الأجر منه، فإنه لا يقبل إلا الخالص كي لا تحرم من فائدته في أحوج أوقاتك إليه.
[فصل ما أقدر على انفكاك الرياء الخفيّ]
لعلك تقول ما أقدر على انفكاك الرياء الخفيّ كما وصفته، و إن قدرت على الرياء الجلي، فهل تنعقد عبادتي مع ذلك؟