الأربعين في اصول الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٣
و توقف عنده الأوقاف و مال الأيتام ليختزل منها، و ذلك أخبث لا محالة. و منهم من يرائي ليقصد إليه النساء و الصبيان، ليتمكن من الفجور، أو ليكثر عنده المال ليصرفه إلى الخمر و الملاهي، و هذا هو الأعظم، إذ جعل عبادة اللّه تعالى وسيلة إلى مخالفته، و العياذ باللّه.
[فصل يعظم بما به المراءاة و بقوة قصد الرياء]
كما يعظم الرياء و يتغلظ إثمه بسبب اختلاف الغرض الباعث عليه، فيعظم أيضا بما به المراءاة و بقوة قصد الرياء. أما ما به المراءاة فهي على ثلاث درجات: أغلظها أن يرائي بأصل الإيمان، كالمنافق يظهر أنه مسلم و ليس بمسلم بقلبه، و كالملحد و معتقد الإباحة يظهر أنه مستديم الإيمان و قد انسلّ منه باطنه. الثانية: الرياء بأصل العبادات، كمن يصلي و يخرج الزكاة بين يدي الناس، و اللّه يعلم من باطنه أنه لو خلا بنفسه لم يفعل ذلك. الثالثة: و هي أدناها، أن لا يرائي بالفرائض و يرائي بالنوافل، كالذي يكثر النافلة، و يحسن هيئة الفريضة، و يخرج الزكاة من أجود ماله، أو يتهجد أو يصوم يوم عرفة و عاشوراء، و اللّه يعلم من باطنه أنه لو خلا بنفسه لم يفعل شيئا من ذلك؛ و هذا أيضا حرام، و إن كان لا ينتهي شدة العقوبة فيه إلى حدّ الرياء بالأصول.
و أما تغليظه بدرجات القصد فهو أنه قد يتجرد قصد الرياء حتى يصلّي مثلا على غير طهارة لأجل الناس، أو يصوم و لو خلا بنفسه لأفطر، و قد يضاف إليه قصد العبادة أيضا، و له ثلاث أحوال: إحداها: أن تكون نية العبادة باعثة مستقلة لو خلا بنفسه، و لكن زاده رؤية غيره و مشاهدته نشاطا، و خف عليه العمل بسببه، فأرجو أن لا يحبط ذلك القدر عمله بل تصح عبادته و يثاب عليها، و يعاقب على قصد الرياء أو ينقص من ثوابه. الثانية: أن يكون قصد العبادة ضعيفا بحيث لو انفرد عن الناس ما استقل بالحمل على العبادة؛ فهذا لا تصح عبادته، و القصد الضعيف لا ينفي عنه شدة المقت. الثالثة:
أن يتساوى القصدان بحيث لا يستقلّ كلّ واحد بالحمل لو انفرد، أو لا ينبعث للفعل بأحدهما بل بمجموعهما. فهذا قد أصلح شيئا و أفسد مثله، فالغالب أنه لا يسلّم رأسا برأس، و يحتمل أن يقال إذا تساوى القصدان، فأحدهما كفّارة للآخر؛ و قوله تعالى:
«أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» يدل على أنه لا يقبله و لا يثيبه عليه. أما إنه يعاقبه عليه ففيه نظر، فالأغلب عندي- و العلم عند اللّه- أنه لا يخلو عن إثم و عقاب.