الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٠
العدم بعد خروج بعضها الى الوجود. و الا لكان الشيء مع غيره، كهو لا مع غيره. و ذلك محال. و اذا كان كذلك، كانت الذوات التى بقيت الآن فى العدم، أقل من مجموع الذوات التى كانت معدومة عند ما لم يخرج شيء منها الى الوجود. و ما كان أقل من غيره فهو متناه.
فالذوات التى بقيت الآن فى العدم متناهية، و التى خرج منها الى الوجود متناهية. و مجموع المتناهى مع المتناهى يكون متناهيا. فثبت:
أن القول بكون الذوات غير متناهية محال.
البرهان الثالث: هذه الماهيات من حيث انها هى: ممكنة لذواتها. و كل ممكن محدث فهذه الماهيات من حيث هى هى، محدثة فيلزم أن تكون هذه الماهيات مسبوقة بالنفى المحض و العدم الصرف.
و هو المطلوب.
و انما قلنا: بأن هذه الماهيات ممكنة لذواتها، و ذلك لأنها لو كانت واجبة التقرر لذواتها فى الخارج، لكانت واجبة التقرر فى الخارج ممتنعة الزوال، و لا معنى لواجب الوجود الا ذلك. و حينئذ يكون واجب الوجود أكثر من واحد. و ذلك محال. و اذا ثبت أنها فى كونها متقررة فى الأعيان، ممكنة، و ثبت أن كل ممكن محدث، ثبت: أنها من حيث انها ماهيات: محدثة. و ذلك يبطل القول بأن المعدوم شيء. و تمام تقرير هذا البرهان قد تقدم فى مسألة حدوث الأجسام.
البرهان الرابع: قوله تعالى: وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٥] وجه الاستدلال بالآية: ان اسم الشيء يتناول الماهيات، فوجب أن يكون اللّه تعالى قادرا على تلك الماهيات. و انما يكون قادرا عليها لو كان لقدرته صلاحية، أن تؤثر فى تلك الماهيات تقريرا و ابطالا. و متى كان
[٥] البقرة ٢٨٤.