الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٩
أحدهما: أن العرض حاصل فى الجسم، فلو كان الجسم حاصلا فى العرض لزم الدور. و الثانى: أنكم تقولون: الجسم انتقل من هذا الحيز الى حيز آخر. فلو كان المراد من الحيز هو العرض، لزم أن يكون المراد من قولنا: انتقل الجسم من حيز الى حيز، هو انه انتقل الجسم من عرض الى عرض. و كل ذلك محال. فثبت: أن القول بكون الجسم حاصلا فى الحيز، أمر باطل محال. فكان التقسيم الّذي فرعتموه عليه أولى بالاستحالة و الفساد. ثم انا نترك الاستدلال على فساد هذا المذهب، و نطالبهم بتفسير الحيز، و بتفسير كون الجسم مظروف الحيز. فان بمجرد المطالبة بهذا التفسير، يصعب الكلام على المستدل.
لا يقال: الحيز له تفسيران:
أحدهما: ما اتفق عليه جمهور المتكلمين. و هو أنه ليس أمرا وجوديا بل هو أمر يفرضه الذهن، و يقدره العقل، و يحكم بكون الجسم حاصلا فيه.
و الثانى: ما ذكره قدماء الفلاسفة. و هم القائلون بأن المكان هو البعد، و هو مجرد الطول و العرض و العمق، الّذي لا يكون حالا فى مادة و الجسم عبارة عن الطول و العرض و العمق مع المادة. فاذا حصل الجسم فى المكان، فالمعنى أنه نفذ بعد الجسم فى ذلك البعد المجرد عن المادة، المسمى بالمكان.
قالوا: و الّذي يدل على وجود هذا البعد المسمى بالمكان وجوه:
احدها: انه لا شك أن بين طرفى الطاس مقدارا من البعد.
فالطاس المملوء من الماء اذا قدرنا أن الماء خرج منه و لم يدخل الهواء فيه، فمع هذا الفرض لا بد و أن يبقى بين طرفى الطاس مقدار من البعد و الامتداد. و ذلك البعد قد فرضناه خاليا عن الأجسام. فثبت: أن المكان هو البعد.