الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٩
و أيضا: المكان لا يفتقر فى وجوده الى المتمكن. لأن الخلاء جائز بالاتفاق، و أما البارى تعالى فانه عند الخصم يمتنع وجوده فى غير الحيز و الجهة. فعلى هذا يكون البارى تعالى مفتقرا فى وجوده و تحققه الى وجود المكان، و وجود المكان غنيا عنه، فكان تعالى على هذا التقدير ممكنا لذاته، مفتقرا الى غيره. و كان المكان واجبا لذاته غنيا عن غيره، فكان المكان أولى بأن يكون هو الاله- سبحانه و تعالى- و الاله أولى بأن يكون العبد. و كل ذلك ساقط من القول.
و أما: ان قيل: بأن المكان الّذي حكم الخصم بكونه تعالى حالا فيه، معدوم صرف و نفى محض. فهذا محال من القول. لأن النفى المحض و العدم الصرف لا تخصص له و لا تعين له، و ما كان كذلك استحال القول بحصول الموجود فيه فثبت: أن القول بحصول البارى تعالى فى المكان محال.
فان قيل: فهذا الاشكال بعينه وارد فى كون الجسم فى المكان.
قلنا: المراد بكون الجسم فى المكان كونه بحيث يمكن الاشارة الى كل واحد من جوانبه بأنه غير الآخر، و بأنه متصل به و مماس له. و يرجع حاصل كونه فى المكان و الجهة الى مقداره و اتصال بعض أجزائه بالبعض. فان أردتم بقولكم: «اللّه تعالى فى المكان»: هذا المعنى. كان هذا تصريحا بكونه تعالى مركبا من الاجزاء و الأبعاض.
و حينئذ يرجع الكلام الى المسألة الأولى.
الحجة الخامسة: الأحياز و الجهات اما ن تكون متساوية فى الماهية، أو مختلفة فى الماهية. فان كان الأول لزم من صحة اختصاص البارى تعالى ببعض الأحياز، صحة اختصاصه بسائر الأحياز، بدلا عن ذلك الحيز، و اذا كان حصوله فى كل واحد منها بدلا عن الآخر،