الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٨
ذلك الّذي ماسه بيمينه يمكن أن يماسه بيساره، و بالضد. و اذا كان ذلك جائزا كان التفرق على تلك الاجزاء جائزا. فحينئذ يكون التأليف و التركيب و التفرق جائزا على تلك الأجزاء و متى كان الأمر كذلك، افتقر تأليفها و تركيبها الى مؤلف و مركب. و كل ذلك محال.
نثبت بما ذكرنا: أنه تعالى لو كان مشارا إليه بحسب الحس، لكان متناهيا من جميع الجوانب. و نقول: انه متى كان كذلك، وجب أن يكون محدثا. و ذلك لأن كل ما كان متناهيا من جميع الجوانب، كان وجوده أزيد مما وجد، أو أنقص مما وجد- جائزا- و اذا كان كذلك، كان اختصاصه بذلك القدر المعين من الجائزات، مفتقرا الى مخصص و مقدر. و ذلك على خالق العالم محال.
و أيضا اذا كان متناهيا من كل الجوانب، لم يكن فوق كل الموجودات. لأن فوقه أمكنة خالية عنه. فلم يكن فوق لكل. و الخصم ينكر ذلك و لا يرضاه. فثبت: أن كونه تعالى مشارا إليه بحسب الحس: محال.
الحجة الثالثة: لو كان ذاته مختصا بمكان و جهة، لكان اما أن يصح عليه أن يخرج منها، أو لا يصح. فان صح لزم كونه محلا للحركة و السكون. و كل ما كان كذلك كان محدثا- على ما بيناه فى مسألة حدوث الأجسام- و ان تعذر عليه الخروج منها، كان كالزمن المقعد العاجز عن الحركة. و ذلك صفة نقص. و هو على اللّه تعالى محال.
الحجة الرابعة: و هو انه تعالى لو كان فى مكان وجهة. فهذا المكان الّذي حكم الخصم بأنه تعالى فيه اما أن يكون موجودا، أو معدوما. فان كان موجودا فالبارى تعالى مختص بالمكان و الجهة من الأزل الى الأبد، فحينئذ كان ذلك المكان موجودا مع اللّه فى الأزل. و هو محال. لان ذلك المكان لما كان موجودا، و كان قابلا للقسمة، كان ذلك عين الجسم فكان هذا قولا بقدم الأجسام.