رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ١١٤
ولقد قال بعض الصحابة - على ما يوجد في كتب التأريخ -[١] في حقّ الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله و سلم : «إنّ النبيّ ليهجر»، فرمي بسهام اللوم إلى اليوم، لمجرّد أنّه نسب إليه صدور لفظ لا باختياره، ولم ينسب له محرّماً بلا اختيار.
مع أنّ كون البكاء قهرّياً بهذا المعنى ممّا لا يكاد أن يقع من أحد أبداً إلاّ إذا كانت مبادؤه - كتذكّر المصاب وغيره - قهريّة أيضاً ليكون خروج الدمع من العين كالدم المندفع من عرق والماء المتدفّق من ينبوع[٢].
وإن أراد بقهرّيتها صدورها بمقتضى طبعه المتوغّل فيه من محبّة أبيه، فهذا أدهى وأمرّ من سابقه ؛ لأنّ القهريّة بهذا المعنى لا ترفع التكليف عقلاً ولا شرعاً ؛ لأنّها لا تنافي الاختيار، وهل بعد صدور المحرّم عمداً من الإمام يبقى محلّ لعصمته؟
إنّ الشيعي لا يرضى للإمام أن يستأسره أيّ عامل بشري لحظة واحدة، فضلاً عن بقائه بضعاً وعشرين سنة مسلوب الاختيار والإرادة، مغلوباً لدواعي الشهوة البشريّة على حين أنّ المشاهد من غير المعصومين من أرباب المجاهدات أنّهم يصابرون النوائب بالجلد ويتغلّبون بسهوله على البواعث الطبيعيّة ضدّ
[١] منها تأريخ ابن الأثير ج٢ ص١٢٢ الطبعة الأولى.
[٢] ورد في بعض أخبار الطف: أنّ الحسين عليه السلام لمّا برز ولده على الأكبر لم يملك نفسه عن
البكاء.
وفي خبر أبي بصير المروي في «الكامل» عن الصادق عليه السلام أنّه عليه السلام بكي وقال «يا أبا بصير إذا نظرت إلى ولد الحسين عليه السلام أتاني مالا أملكه بما اوتي إليهم وإلى أبيهم.
ولكن يراد بهذا حسبما هو متعارف في المحاورات أنّه عليه السلام تدركه غاية الرقة بتذكر المصاب، نحو الرقّة على اليتيم والضعيف المظلوم، لا صدور البكاء بلا اختيار، فإنّه لا يكاد أن يكون معقولاً وإن كرّره الكاتب في مواضع كثيرة.