رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٦٧
نعم، قد يمضي المصاب برزية في سبيل هلعه [١] منها وجزعه وحزنه وبكائه غير مزوّد بزاد التقوى، وهو التسليم والتفويض لله والرضا بقضائه، فهذا الباكي بخصوصه يكون تاركاً إيكال الأمور لله، وغير صابر على فتنته وبلائه، فهو الحريّ بأن يكون مذموماً موزوراً كالأشعث المارق عن الدين والمعين ابن ملجم اللعين على قتل علي أمير المؤمنين، فإنّ بكاءه لمصيبته بولده [٢] متجلّ لأمير المؤمنين أنّه مقت لجارية القضاء الإلهي، وتبرّم [٣] على الله في حكمه، وعدم نجوع [٤]وتطامن [٥] لصدور أمره، فلهذا أثبت له المذمّة عليه.
فشتّان بين بكاء هذه النفس الشريرة ومن على شاكلتها من الأشرار وبين بكاء المؤمنين الصالحين الأخيار، فذاك مناف للصبر وفاعله مأثوم مذموم، وهذا غير مناف وفاعله ناج مرحوم لطفاً من الله ورحمة والله اللطيف الخبير.
وثانياً: ما كلّ صبر براجح جميل فضلاً عن كون فعله واجباً أو تركه محرّماً يذمّ ويؤزر عليه ; لما نعلمه بالضرورة من الدين أنّ المصائب الحائقة [٦] بالدين
[١] الهلع: أفحش الجزع. الصحاح ٣: ١٣٠٨، «هلع».
[٢] الوارد هو مصيبته بأخ له يقال له: عبد الرحمن. الكافي ٣: ٢٦١، حديث ٤٠، باب النوادر.
[٣] برمت بكذا، أي: ضجرت منه برماً، ومنه: التبرّم. كتاب العين ٨: ٢٧٢، «برم».
[٤] نجع فيه الخطاب والوعظ والدواء، أي: دخل وأثّر. الصحاح ٣: ١٣٨٨، «نجع».
[٥] وزن اطمأن افلعل ; لأنّ أصل الميم أن تكون بعد الألف ; لأنّه من تطامن إذا تطأطأ، وإنّما قدّموها لتباعد الهمزة التي هي عين الفعل من همزة الوصل فيكون أخف لفظاً. تاج العروس ١٨: ٣٥٩، «طمن».
[٦] حاق به الشيء يحيق حيقاً وحيوقاً وحيقاناً، الأخير بالتحريك: أحاط به فهو حائق. تاج العروس ١٣: ١٠١، «حيق».