رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٦٢
لحمها، وتهشم عظمها، وتعبث بأرواحها، وأمّهاتها تحوم حولها والهة [١] حيرانة، لم تستطع على ذلك صبراً، وما بها على الدفاع من قوّة.
أليس هذه الحال المشاهدة تستفزّ القلوب عن مستقرّها، وتؤذن للعبرات بالهبوط، وللزفرات بالصعود، وإن تكن تلك الأفراخ المرئيّة أفراخ عقرب أو حيّة؟! فإنّ العداوة والبغضاء بين الرائي والمرئي لا تقفان حائلاً بين الرقّة الفطريّة وهذه النظرة الجارحة للعواطف والقلوب، والموغرة [٢] للأكباد والصدور.
ومن نسيج هذا البكاء وعلى طرزه وشاكلته بكاء اللعين ابن سعد الخصم الألد والعدو المبين إلى آل يس، فإنّه على ما روي حين نظر الفاطميات بطف كربلاء بعد قتل حُماتهنّ، وهجوم عتاته على مخيّمهم لسلبهنّ، ورآهنّ يلذن من خيمة إلى خيمة، ومن خباء إلى خباء، والطغام [٣] الطغاة تعدو خلفهن، وتبتز [٤] ما عليهن من حليّ وحلل، وتضرم النار في أطناب [٥] مضاربهن، وسجوف [٦]خيامهنّ، وهنّ يستغثن فلا مغيث، ويستجرن فلا مجير، بكى على حالهنّ [٧] لا سخطاً ولا تبرّماً من ذلك الصنع الفظيع، كلاّ، بل كما قال الشاعر:
[١] الولة: ذهاب العقل والفؤاد من فقدان حبيب. كتاب العين ٤: ٨٨، «وله».
[٢] الوغرة: شدّة توقّد الحرّ. الصحاح ٢: ٨٤٦، «وغر».
[٣] الطغام: أوغاد الناس. كتاب العين ٤: ٣٨٩، «طغم».
[٤] بزّه يبزّه بزّاً: سلبه. الصحاح ٣: ٨٦٥، «بزز».
[٥] الطنب: حبل الخباء، والجمع أطناب. الصحاح ١: ١٧٢، «طنب».
[٦] السجف: الستر. الصحاح ٤: ١٣٧١، «سجف».
[٧] بحار الأنوار ٤٥: ٥٤، باب ٣٧.