رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٥٩
يرحم لا يُرحم» [١]؟!
حقّاً أقول: إنّ سيرة النبيّ الأمين وآله الأطيبين وصحبه الأنجبين وسائر التابعين وكافة المسلمين، بل وعامّة الآدميين على البكاء لموتاهم قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، تلك فطرة الله التي فطر الناس عليها، وسنّته في خلقه.
هو يضحك ويبكي، كما هو لا سواه يميت ويحيي، فما أدري هذه الفئة المحرّمة للبكاء عند فقد الأحبّة الأعزّاء أمن البشر أم من الحجر؟! بل هي أشدّ قسوة، فإنّ من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء [٢]، فنعوذ بالله من شرّ العصبية الخرقاء المفضية بأهلها إلى مخاصمة المعقول والمنقول، المبيحَين [٣] لإراقة الدموع، بل المرجّحين لها في بعض الأحيان، بل موجبيها لمن يضيق به وسعه فيخشى على نفسه أو عقله إذا سجن دمعة في مقلته [٤] ولم يرقرقها على وجنته [٥]، فإنّ العقل يبيحه إهمالها، ويمنعه إمهالها، والنقل يلزمه إطلاقها وإرسالها.
قال الإمام الصادق عليه السلام لأبي الصيقل وقد شكا له وجداً [٦] وجده [٧]على ابن له هلك حتّى خاف على عقله: «إذا أصابك من هذا شيء فأفض من دموعك فإنّه يسكُنُ عنك» [٨].
[١] شرح معاني الآثار ٤: ٢٩٣، باب البكاء على الميّت، مجمع الزوائد ٣: ١٧، باب في البكاء.
[٢] إشارة إلى سورة البقرة (٢): ٧٤.
[٣] المبيحَين: الكلمة مثنى صفة لكلمتي المعقول والمنقول.
[٤] المقلة: شحمة العين التي تجمع البياض والسواد. الصحاح ٥: ١٨٢٠، «مقل».
[٥] الوجنة: ما ارتفع من الخدّين. الصحاح ٦: ٢٢١٢، «وجن».
[٦] الوجد: من الحزن. كتاب العين ٦: ١٦٩، «وجد».
[٧] أصاب الشيء: وجده. لسان العرب ١: ٥٣، «صوب».
[٨] الكافي ٣: ٢٥٠، حديث ٣، باب النوادر.