رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٤٥
لو أحيا الله النبيّ فنازعهم في ملكهم العضوض لحاربوه كما حاربه آباؤهم من قبل، حذو النعل بالنعل.
فهذا المعنى الخبيء [١] في نفوس القوم، الكمين في جوانحهم، لولا قتلهم الحسين ما بدا لأحد من المسلمين، ولا عرفوا أنّهم على ضلالة، ولا رفض خلافتهم أهل الدين، غير المطّلعين على حقائق الأمور قبل هذه الواقعة الطفّيّة.
فلله درّ الحسين ما أنفعه للمسلمين حيّاً وميّتاً، وما أعظم حقّه علينا، أيسمع مسلم ما يلده الدهر في آخر عمره بقتل هكذا محام عن دين الإسلام أشرّها قتلة: ضرباً بالسيوف، وطعناً بالرماح، ورشقاً بالنبال، ورمياً بالحجارة، وقرعاً بالسياط، مُحلّئاً [٢] عن ورود الماء، ممثّلاً به بعد قتله أعظم مُثلة، مهتوك الخبا، مسبيّ النسا، مأسور الأطفال، معلّى الرأس على القنا، يُطاف به من ملأ إلى ملأ، ولا يحزن له ويبكي عليه، ويستفز القلب عن مستقرّه؟!
هيهات، بل تلتهب عليه جوانحُه ضرماً، وتكاد تخرج شظايا قلبه تأوّهاً، وتسقط أحداق عيونه دموعاً من قبل أن يعلم من هو الحسين حسباً ونسباً عند الناس، من هو الحسين منزلة وقدراً عند المسلمين، من هو الحسين حبّاً وشغفاً عند جدّه رسول الله، من هو الحسين عظمة وجلالة عند الله.
فكيف به لو علم ذلك كلّه وأحاط خُبراً بأنّ بيته أشرف بيت في قريش، وقومه أفضل قوم في العرب، وفصيلته أفضل فصيلة عدنانية، وآباءه أكرم آباء من
[١] الخبء: كلّ شيء غائب مستور. لسان العرب ١: ٦٢، «خبأ».
[٢] حلأ الإبل والماشية عن الماء تحليئاً وتحلئة: طردها أو حبسها عن الورود ومنعها أن ترده. لسان العرب ١: ٥٩، «حلأ».