رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٢٦٠
إنّك لترى الأستاذ في أوّل رسالته [١] رجلاً دينيّاً كرّس جميع قواه لإنكار المنكر وتقويم الزيغ، ولكن لو تأمّلنا مليّاً وأنعمنا النظر في رسالته هنيئة، لاتّضح لنا ولكلّ أحد أنّ المنكر الذي أنكره ليس إلاّ إخفاءً للحقيقة وتمويهاً على البسطاء من الناس، وإلاّ لو طوينا أوراقاً من رسالته لرأيناه يقول فيها:
«وأيّم الله لولم يوجّه لسباته ولسعاته إلينا لمّا تعرّضنا له، ﴿فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [٢]، ولكن من أُغضب فلم يغضب فهو حمار» [٣] وهذا الكلام من حضرته يدلّنا بسائر الدلالات أنّ غرضه الانتصار لنفسه، لا إنكار المنكر، وإلاّ فالمنكرات التي تُفعل صباحاً ومساءً، وغدوّاً ورواحاً، بمرأى منه ومسمع ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير﴾ [٤] لا تُحصى ولا تُعدّ، ولا هي قابلة للحدّ، فما باله لا ينكر منها منكراً، ولم يرق لدفعها منبراً، ولا صعد جبلاً، ولا هبط وادياً، ولاخطّ بقلم؟!
ولا أخالك أيّها القارئ الكريم منصفي، بل تعتبر هذا منّي إجحافاً بحقّ الأُستاذ وإنكاراً لفضله، وعليه أقول: إنّ المنكر الذي يجب إنكاره ويركب متن الصعب في دفعه، إنّما هو الفعل الصريح في المعصية، لا الفعل الذي يراه صاحبه مباحاً تقليداً أو اجتهاداً.
[١] رسالة التنزيه لأعمال الشبيه (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ٢: ١٦٨.
[٢] يونس (١٠): ٤١.
[٣] رسالة التنزيه لأعمال الشبيه (المطبوعة ضمن هذه المجموعة) ٢: ٢٠٩. من أقوال الشافعي انظر العهود المحمّدية للشعراني: ٤٦٠.
[٤] فاطر (٣٥): ١٤.
الخبر: العلم بالشيء. تقول: لي بفلان خبرة وخبر. والله تعالى الخبير: أي العالم بكلّ شيء. معجم مقاييس اللغة ٢: ٢٣٩ «خبر».