رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٢٢٧
أمّا بكاء علي بن الحسين(عليهما السلام) على أبيه المؤدّي إلى الإغماء وامتناعه عن الطعام والشراب، فإن صحّ [١] فهو أجنبيّ عن المقام، فإنّ هذه الاُمور قهريّة لا
[١] أوّلاً: بكاء الإمام السجاد(عليه السلام) على أبيه الإمام الحسين(عليه السلام) من الاُمور المعروفة والمشهورة عند الجميع، ولا يخلو كتاب أو رسالة تعرّضت لواقعة الطفّ أو لترجمة حياة الإمام زين العابدين(عليه السلام) إلاّ ذكرت ذلك بشكل مفصّل، بل إنّ بعض الكتب أفردت له باباً خاصّاً، حتّى أنّه عُدّ من البكائين الخمسة.
فقد روى الشيخ الصدوق (ت٣٨١هـ) في «الخصال» ٢٧٢ - ٢٧٣ في باب «البكاؤون خمسة» بسنده عن محمّد بن سهل البحراني، يرفعه إلى الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:
«البكاؤون خمسة: آدم، ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمّد، وعلي بن الحسين».
وأمّا يعقوب فبكى على يوسف حتّى ذهب بصره، وحتّى قيل له (تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ) ]يوسف (١٢) : ٨٥[.
وأمّا يوسف فبكى على يعقوب حتّى تأذّى به أهل السجن فقالوا له: إمّا أن تبكي الليل وتسكت بالنهار، وإمّا أن تبكي بالنهار وتسكت بالليل، فصالحهم على واحد منهما.
وأمّا فاطمة فبكت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى تأذّى بها أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتينا بكثرة بكائك. فكانت تخرج إلى المقابر - مقابر الشهداء - فتبكي حتّى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف.
وأمّا علي بن الحسين فبكى على الحسين(عليه السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى حتّى قال له مولىً له: جعلتُ فداك يابن رسول الله إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين. قال: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)]يوسف (١٢) : ٨٦[ إنّي ما أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني لذلك عبرة».
وروى أيضاً في الصفحة ٥١٨ - ٥١٩ في باب «ذكر ثلاث وعشرين خصلة من الخصال المحمودة التي وُصف بها علي بن الحسين(عليهما السلام) عن حمران بن أعين عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: كان علي بن الحسين... وما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى، حتّى قال له مولىً له: يابن رسول الله أمّا آن لحزنك أن ينقضي؟! فقال له: ويحك إنّ يعقوب النبيّ(عليه السلام)كان له اثنا عشر أبناً، فغيّب الله عنه واحداً منهم فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه، وشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهرهُ من الغمّ، وكان ابنه حيّاً في الدنيا. وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمّي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني».
وفي «المناقب» لابن شهر آشوب (ت٥٨٨هـ) ٣: ٣٠٣ «كان(عليه السلام) إذا أخذ إناء يشرب ماء بكى حتّى يملأها دمعاً فقيل له في ذلك فقال: وكيف لا أبكي وقد منع أبي من الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش».
وذكر أبو نعيم الأصفهاني (ت٤٣٠هـ) في «حلية الأولياء» ٣: ١٣٣ - ١٤٥ كلّ الكلام الذي حكيناه عن الشيخ الصدوق وابن شهر آشوب.
ثانياً: وصف السيّد محسن الأمين بكاء الإمام السجاد(عليه السلام) على أبيه وامتناعه عن الطعام والشراب بأنّها «أمور قهريّة لا يتعلّق بها التكليف».
ومعنى الأمور القهريّة: هي الصادرة عن الشخص لا عن اختيار وإرادة.
وهذا مخالف لعقائد الإماميّة، فإنّهم يعتقدون أنّه لا يجوز أن يصدر من المعصوم فعل أو قول من دون اختيار منه وإرادة حتّى إذا كان مباحاً فضلاً عن المحرّم، وصدور المحرّم ولو بلا اختيار ينافي العصمة.
وهل ننسى الأقوال والردود التي وردت على عمر بن الخطّاب حينما قال قولته المعروفة التي جلبت الويلات على الأُمّة الإسلاميّة، وذلك عند مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال: «إنّ النبيّ ليهجر» فقد رُمي بسهام اللوم والتقريع إلى يومنا هذا ; لأنّه نسب إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)صدور لفظ منه لا باختياره.
ثالثاً: السيّد الأمين بعد أن وصف بكاء الإمام السجاد(عليه السلام) وما كان يصاحبه من الآلام بأنّه من الأمور القهريّة، تدارك الأمر وقال: «وما كان منه اختياريّاً فحاله حال ما مرّ» أي أنّ الأفعال الضرريّة التي صدرت من الإمام(عليه السلام) حال اختياره، لم يكن يعلم بضررها مسبقاً، لذلك لم تكن محرّمة عليه، وأنّه لم يتضرّر بها أصلاً، فيرتفع الإشكال من أساسه.
وهذا أيضاً غير صحيح ; لأنّه(عليه السلام) كان عارفاً بما سيؤول إليه حاله من كثرة البكاء واستمراره عليه يوميّاً، وامتناعه عن الأكلّ والشرب مدّة طويلة.
والروايات التي ذكرناها قبل قليل عن الشيخ الصدوق وغيره دالّة على تأثير بكاء الإمام السجاد(عليه السلام) وامتناعه عن الأكلّ والشرب على صحّته، حتّى أدّت إلى ضعف بدنه وشحوب لونه.