رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ٢١٣
والإضرار - ويرتكب أخفّ الضررين. ولكن الحرام لا يباح لإدراك المستحب، فالاستحباب لا يعارض الحرمة، «ولا يطاع الله من حيث يُعصى» [١]، «ولا يتقبّل الله إلاّ من المتّقين» [٢].
ومن ذلك يُعلم أنّ قوله: «أتباح هذه الجراحة الخطرة لفائدة ما دنيويّة، ولا تباح جراحة ما في إهاب الرأس لأعظمها فائدة وأجلّها سعادة اُخرويّة»؟! كلام شعريّ، فإنّ الفائدة الاُخرويّة - وهي الثواب - لا تترتّب على فعل المحرّم، فلا يكون في هذا الفعل إلاّ الضرر الدنيوي والاُخروي.
وما أشبه هذا الكلام الشعري بما يُحكى أنّ رجلاً صوفيّاً سرق تفاحة وتصدّق بها، فسأله الإمام الصادق(عليه السلام) عن سبب فعله ذلك فقال: إنّه لمّا سرقها كتبت عليه سيئة، فلمّا تصدّق بها كتب له عشر حسنات ; لأنّ: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ [٣] فإذا أسقطنا سيئة من عشر حسنات بقي تسع حسنات.
فقال له الصادق(عليه السلام): «إنّ هذا جهل، أو ما سمعت قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [٤]، إنّك لمّا سرقت التفاحة كُتب عليك سيئة، فلمّا تصدّقت بها كُتبت عليك سيئة أخرى ; لأنّك تصدّقت بغير مالك» [٥] أو ما هذا معناه.
[١] في وقاية الأذهان: ٣٩٤ قال: مروي عنهم(عليهم السلام)، وفي الجواهر ٢٢: ٤٦، والقواعد الفقهية ١: ٢٦٠ إنّه قول وليس حديثاً.
[٢] الكافي ٣: ٤٢٢ حديث ٦ باب «تهيئة الإمام للجمعة وخطبته والانصات».
[٣] الأنعام (٦) : ١٦٠.
[٤] المائدة (٥) : ٢٧.
[٥] في معاني الأخبار: ٣٣ - ٣٦ حديث٤ وفيه: «وقال جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام:... فإن من اتبع هواه وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامّة تعظّمه وتصفه، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره ومحلّه، فرأيته قد أحدق به خلق من غثاء العامّة، فوقفت منتبذاً عنهم متغشياً بلثام أنظر إليه وإليهم، فما زال يراوغهم حتّى خالف طريقهم وفارقهم ولم يقرّ، فتفرقت العوام عنه لحوائجهم، وتبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مرّ بخبّاز فتغفّله فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة، فتعجّبت منه، ثمّ قلت في نفسي: لعلّه معاملة.
ثمّ مرّ بعده بصاحب رمّان فما زال به حتّى تغفّله فأخذ من عنده رمّانتين مسارقة، فتعجّبت منه، ثمّ قلت في نفسي: لعلّه معاملة، ثمّ أقول وما حاجته إذاً إلى المسارقة.
ثمّ لم أزل أتبعه حتّى مرّ بمريض فوضع الرغيفين والرمّانتين بين يديه ومضى، وتبعته حتّى استقرّ في بقعة من الصحراء، فقلت له: يا عبد الله لقد سمعت بك وأحببت لقاءك، فلقيتك ولكنّني رأيت منك ما شغل قلبي! وإنّي سائلك عنه ليزول به شغل قلبي.
قال: ما هو؟
قلت: رأيتك مررت بخبّاز وسرقت منه رغيفين، ثمّ بصاحب الرمّان وسرقت منه رمّانتين!
قال: فقال لي: قبل كلّ شيء حدّثني من أنت؟
قلت: رجل من ولد آدم(عليه السلام) من أمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال: حدثني من أنت؟
قلت: رجل من أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله.
قال: أين بلدك؟
قلت: المدينة.
قال: لعلك جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم؟
قلت: بلى.
فقال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرّفت به وتركك علم جدّك وأبيك لئّلا تنكر ما يجب أن يحمد ويمدح عليه فاعله؟
قلت: وما هو؟
قال: القرآن كتاب الله!
قلت: وما الذي جهلت منه؟
قال: قول الله عزّ وجلّ (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا) وأنّي لمّا سرقت الرغيفين كانت سيّئتين، ولما سرقت الرمّانتين كانت سيّئتين، فهذه أربع سيّئات. فلمّا تصدّقت بكلّ منهما كان لي ]بها[ أربعين حسنة، فانتقص من أربعين حسنة أربع بأربع سيّئات بقي لي ست وثلاثون حسنة.
قلت: ثكلتك أمّك! أنت الجاهل بكتاب الله، أمّا سمعت أنّه عزّ وجلّ يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) إنك لما سرقت رغيفين كانت سيّئتين، ولمّا سرقت رمانتين كانت أيضاً سيّئتين، ولما دفعتهما إلى غير صاحبيهما بغير أمر صاحبيهما كنت إنّما أضفت أربع سيّئات إلى أربع ولم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات، فجعل يلاحظني فانصرفت وتركته.
قال الصادق(عليه السلام): بمثل هذا التأويل القبيح المستكره يَضلون ويُضلون...».