رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ١٩٩
أو حديث: «أي جرح تشدّه لك زينب».
أو حديث: مخاطبة زينب للعباس حين عرض شمر عليه وعلى إخوته الأمان.
أو حديث: مجيء زين العابدين لدفن أبيه مع بني أسد [١].
[١] أورده أبو عمر الكشّي (ت القرن الخامس هـ) في «رجاله» ٢: ٦٣ / ٨٨٣. في احتجاج الواقفة على الإمام الرضا(عليه السلام)، وذلك عند دخول علي بن أبي حمزة وابن السرّاج وابن المكاري على الإمام(عليه السلام)، حيث ورد فيه:
«فقال له علي - أي ابن أبي حمزة - إنّا روينا عن آبائك أنّ الإمام لا يلي أمره إلاّ إمام مثله.
فقال له أبو الحسن(عليه السلام): «فأخبرني عن الحسين بن علي(عليه السلام) كان إماماً أو كان غير إمام»؟
قال: كان إماماً.
قال: «فمن ولي أمره»؟
قال: علي بن الحسين.
قال: «وأين كان علي بن الحسين»؟
قال: كان محبوساً بالكوفة في يد عُبيد الله بن زياد، خرج وهم لا يعلمون به حتّى ولي أمر أبيه ثمّ انصرف.
فقال له أبو الحسن(عليه السلام): «إنّ الذي أمكن علي بن الحسين(عليهما السلام) أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه، فهو يمكّن صاحب هذا الأمر أن يأتي بغداد فيلي أمر أبيه ثمّ ينصرف، وليس في حبس ولا في أسار».
وذكره أيضاً الشيخ محمّد باقر البهبهاني في «الدمعة الساكبة» ٥: ١١ - ١٤ حيث قال: «وفي بعض الكتب المعتبرة عن كتاب «أسرار الشّهادات»: روي أنّه لمّا ارتحل عمر بن سعد - لعنه الله - من كربلاء، وساروا بالسّبايا والرؤوس إلى الكوفة، نزل بنو أسد مكانهم وبنوا بيوتهم، وذهبت نساؤهم إلى الماء، إذا هنّ رأين جثثاً حول المسنّاة وجثثاً نائية عن الفرات، وبينهنّ جثّة قد جلّلتهم بأنوارها وعطّرتهم بطيبها، فتصارخن النساء وقلن هذا والله جسد الحسين وأهل بيته(عليهم السلام)، فرجعن إلى بيوتهنّ صارخات، وقلن:
يا بني أسد أنتم جلوس في بيوتكم وهذا الحسين وأهل بيته وأصحابه مجزّرون كالأضاحي على الرّمال، وتسفي عليهم الرياح، فإن كنتم ما نعهده فيكم من المحبّة والموالاة فقوموا وادفنوا هذه الجثث، فإن لم تدفنوها نتولى دفنها بأنفسنا.
فقال بعضهم لبعض: إنّا نخشى من ابن زياد وابن سعد لعنهم الله أن تصبحنا خيولهم فينهبوننا أو يقتلون أحدنا.
فقال كبيرهم: الرّأي أن نجعل لنا عيناً تنظر إلى طريق الكوفة ونحن نتولى دفنهم.
فقالوا: إنّ الرأي لسديد، ثمّ إنّهم وضعوا لهم عيناً وأقبلوا إلى جسد الحسين(عليه السلام)وصار لهم بكاء وعويل، ثمّ إنّهم اجتهدوا على أن يحرّكوه(عليه السلام) من مكانه ليشقّوا له ضريحاً فلم يقدروا أن يحرّكوا عضواً من أعضائه.
فقال كبيرهم: ما ترون؟
قالوا: الرأي نجتهد أوّلاً في دفن أهل بيته، ثمّ نرى رأينا فيه.
قال كبيرهم: كيف يكون لكم دفنهم وما فيكم من يعرف من هذا ومن هذا، وهم كما ترون جثث بلا رؤوس قد غيّرتهم الشمس والتراب من الريح، فلربّما نسأل عنهم فما الجواب.
فبينما هم في الكلام إذ طلع عليهم أعرابيّ على متن جواده، فلمّا رأوه انكشفوا عن تلك الجثث الزواكي.
قال: فأقبل الأعرابي ونزل عن ظهر جواده إلى الأرض، وصار منحنياً كهيئة الراكع حتّى أتى ورمى بنفسه على جسد الحسين(عليه السلام) وجعل يقبّله تارة ويشمّه أُخرى، وقد بلّ لثامه من دموع عينيه، ثمّ رفع رأسه ونظر إلينا فقال: «ما كان وقوفكم حول هذه الجثث»؟
فقالوا: أتينا لنتفرج عليها.
فقال(عليه السلام): «ما كان هذا قصدكم».
فقالوا: نعم يا أخ العرب الآن نطلعك على ما في ضمائرنا، أتينا لندفن جسد الحسين(عليه السلام)فلم نقدر أن نحرّك عضواً من أعضائه، ثمّ اجتهدنا في دفن أهل بيته وما فينا من يعرف من هذا ومن هذا، وهم كما ترى جثث بلا رؤوس قد غيّرتهم الشّمس والتراب، فبينما نحن في الكلام إذ طلعت عليها، فخشينا أنّك من أصحاب ابن زياد لعنه الله فانكشفنا عن تلك الجثث.
قال: فقام فخطّ لنا خطّاً وقال: «احفروا هاهُنا»، ففعلنا فيها، فقال: «قدّموا هذا وأخّروا هذا»، فوضعنا سبعة عشر جثّة بلا رأس. ثمّ خطّ لنا خطّاً فقال: «احفروا هاهُنا»، ففعلنا فوضعنا فيها باقي الجثث واستثنى منها جثة واحدة، وأمر لنا أن نشق لها ضريحاً ممّا يلي الرأس الشريف، ففعلنا، فدفنّاها. ثمّ أقبلنا إليه لنعينه على جسد الحُسين(عليه السلام)، وإذا هو يقول لنا بخضوع وخشوع: «أنا أكفيكم أمره».
فقلنا له: يا أخا العرب كيف تكفينا أمره وكلّنا قد اجتهدنا على أن نحرّك عضواً من أعضائه فلم نقدر عليه.
فبكى بكاء شديداً فقال(عليه السلام): «معي من يعينني»، ثمّ إنّه بسط كفيه تحت ظهره الشريف وقال: «بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله صلّى الله عليه وآله، هذا ما وعدنا الله تعالى ورسوله وصدق الله ورسوله، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم».
ثمّ أنزله وحده ولم يشرك معه أحداً منّا، ثمّ وضع خدّه بنحره الشريف وهو يبكي فسمعناه يقول:
«طوبى لأرض تضمّنت جسدك الشريف، أمّا الدّنيا فبعدك مظلمة والآخرة فبنورك مشرقة. أمّا الحزن فسرمد، واللّيل فمسهّد، حتّى يختار الله لي دارك التي أنت مقيم بها، فعليك مني السّلام يابن رسول الله ورحمة ا لله وبركاته».
ثمّ شرج عليه اللبن وأهال عليه التراب، ثمّ وضع كفّه على القبر وخطّه بأنامله وكتب:هذا قبر حسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشاناً غريباً.
ثمّ التفت إلينا وقال: «انظروا هل بقي أحد»؟
قالوا: نعم يا أخا العرب، قد بقي بطل مطروح حول المسنّاة وحوله جثّتان، وكلّما حملنا جانباً منه سقط الآخر ; لكثرة ضرب السيوف والسهام.
فقال: «امضوا بنا إليه»، فمضينا إليه، فلمّا رآه انكبّ عليه يقبّله ويبكي ويقول: «على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، فعليك منّي السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته».
ثمّ أمر لنا أن نشقّ له ضريحاً ففعلنا، ثمّ أنزلهُ وحده ولم يشرك معه أحداً منّا، ثمّ شرج عليه اللبن وأهال عليه التراب، ثمّ أمرنا بدفن الجثتين حوله، ففعلنا ثمّ مضى إلى جواده فتبعناه ودرنا عليه لنسأله عن نفسه وإذا به يقول:
«أمّا ضريح الحسين(عليه السلام) فقد علمتم، وأمّا الحفيرة الأوُلى ففيها أهل بيته، والأقرب إليه ولده علي الأكبر، وأمّا الحفيرة الثانية ففيها أصحابه، وأمّا القبر المنفرد فهو حامل لواء الحسين(عليه السلام) حبيب بن مظاهر، وأمّا البطل المطروح حول المسنّاة فهو العبّاس بن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأمّا الجثتان فهما من أولاد أمير المؤمنين(عليه السلام)، فإذا سألكم سائل فأعلموه».
فقلنا له: يا أخا العرب نسألك بحقّ الجسد الذي واريته بنفسك وما أشركت معك أحداً منّا من أنت؟
فبكى بكاء شديداً فقال: «أنا إمامكم علي بن الحسين(عليه السلام)».
فقلنا: أنت علي؟
فقال: «نعم»، فغاب عن أبصارنا».
إلاّ أنّ بعض علمائنا الذين كتبوا في واقعة الطفّ لم يذكروا مجيء الامام السجاد(عليه السلام)لدفن أبيه(عليه السلام)، بل صرّحوا بأنّ بني أسد هم الذين تولّوا دفن الإمام الحسين(عليه السلام)ومن استشهد معه يوم عاشوراء، منهم الشيخ المفيد في «الإرشاد» ٢: ١١٤، والسيّد ابن طاووس في «الملهوف»: ٨٥ ، والعلاّمة المجلسي في «بحار الأنوار» ٤٥: ١٠٧ - ١٠٨.
وصرّح بذلك أيضاً أبو مخنف في «مقتله»: ٢٠٢، والمسعودي في «مروج الذهب» ٣: ٧٤ - ٧٥.
وحكاه عنهم الشيخ محمّد باقر البهبهاني في «الدمعة الساكبة» ٥: ١١.
ونحنُ نكتفي بنقل ما قاله الشيخ المفيد في «الإرشاد»، قال:
«ولمّا رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد - كانوا نزولاً بالغاضرية - إلى الحسين وأصحابه رحمة الله عليهم، فصلّوا عليهم، ودفنوا الحسين(عليه السلام) حيث قبره الآن، ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صُرعوا حوله ممّا يلي رجلي الحسين(عليه السلام) وجمعوهم فدفنوهم جميعاً معاً، ودفنوا العبّاس ابن علي(عليهما السلام) في موضعه الذي قُتل فيه على طريق الغاضريّة حيث قبره الآن».
ويؤيّد ذلك أيضاً ما ورد في «بحار الأنوار» ٩٨: ٤٤ من قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الحسين(عليه السلام)«يدفنه الغرباء» حيث قال:
«وجدتُ بخطّ محمّد بن علي الجبعي، نقلاً عن خطّ الشهيد، نقلاً عن مصباح الشيخ أبي منصور(رحمه الله): روي أنّه دخل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً على فاطمة - وساق الحديث إلى أن قال - وأمّا الحسين فإنّه يُظلم، ويُمنع حقّه، وتُقتل عترته، وتطؤه الخيل، ويُنهب رحله، وتُسبى نساؤه وذراريه، ويُدفن مرمّلاً بدمه، ويدفنه الغرباء. قال علي(عليه السلام): فبكيت وقلت: هل يزوره أحد؟ فقال: يزوره الغرباء».
ويمكن حمل قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «ويدفنه الغرباء»، وحمل القول الذي يذهب إليه بعض علمائنا بأنّ بني أسد هم الذين دفنوا الحسين(عليه السلام) وأصحابه، على أنّ المراد منه هو مساعدة بني أسد للإمام السجاد(عليه السلام) في دفن أبيه(عليه السلام).
علماً بأنّه قد وردت من طرقنا عدّة روايات تدلّ على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي تولّى دفن الإمام الحسين(عليه السلام)، فقد روى الشيخ الصدوق في «الأمالي»: ٢٠٢ عن الإمام الصادق(عليه السلام): «أنّ أُمّ سلمة زوجة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أصبحت يوماً تبكي بكاءً شديداً، فقيل لها: ممّ بكائك؟
قالت: لقد قُتل ابني الحسين(عليه السلام) الليلة، وذلك أنّي ما رأيتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ مضى إلاّ الليلة، فرأيته شاحباً كئيباً، فقلت: مالي أراك يا رسول الله شاحباً كئيباً؟ فقال: ما زلت الليلة احتفر القبور للحسين وأصحابه» .
وروى العلاّمة المجلسي في «بحار الأنوار» ٤٥: ٢٣٠ / ١ عن «الأمالي» للشيخ الصدوق عن أمّ سلمة أنّها أصبحت تصرخ صراخاً عظيماً وهي تقول: يا بنات عبد المطّلب أسعدنني وأبكينّ معي فقد قتل سيدكنّ الحسين.
فقيل لها: من أين علمت ذلك؟
فقالت: رأيت رسول الله شعثاً مذعوراً فسألته عن شأنه فقال: قُتل ابني الحسين وأهل بيته فدفنتهم، والساعة فرغت من دفنهم.
وعن «الأمالي» للشيخ الصدوق أيضاً بسنده عن ابن عبّاس عن أُمّ سلمة أنّها قالت: «فلمّا كانت الليلة القابلة رأيتُ رسول الله أغبر أشعث، فسألته عن شأنه فقال:
ألم تعلمي أنّي فرغت من دفن الحسين وأصحابه».