رسائل الشعائر الحسينية - مجموعة من العلماء - الصفحة ١٥٩
فقد تمسّ الحاجة إلى عملية جراحية تفضي إلى بتر عضو أو أعضاء رئيسية حفظاً لبقية البدن، وسدّاً لرمق الحياة الدنيوية، والحياة الدنيابأسرها وشيكة الزوال والاضمحلال، أتباح هذه الجراحة الخطرة لأجل فائدة ما دنيوية ولا تباح جراحة ما في إهاب [١] الرأس لأعظمها فائدة، وأجلّها سعادة أخروية وحياة أبدية، وفوز بمرافقة الأبرار في جنة الخلد؟!
لا يقال: إنّ السعادة والفوز غداً لا يترتّبان على عمل ضرري غير مجعول في دين الله.
لأنّا نقول: أوّلاً: غير المشروع في الإسلام من الأمور الضررية هو ما خرج عن وسع المكلّف ونطاق طاقته، لقبح التكليف حينئذ بغير مقدور، أمّا ما كان مقدوراً فلم يقم برهان عقلي ولا نقلي على منع جعله.
ثانياً: وكونه شاقّاً ومؤذياً لا ينهض دليلاً على عدم جعله ; إذ التكاليف كلّها مشتقّة من «الكلفة» وهي المشقّة [٢]، وبعضها أشدّ من بعض، وأفضلها أحمزها [٣]، وعلى قدر نشاط المرء يكون تكليفه، وبزنة رياضة المرء نفسه وقوّة صبره وعظمة معرفته يكلّف بالأشقّ فالأشقّ زيادة للأجر، وعلوّاً للرتبة، ومزيداً للكرامة.
ومن هاهنا كانت تكاليف الأنبياء أشقّ من غيرها، ثمّ الأوصياء، ثمّ الأمثل فالأمثل، وفي الخبر أنّ «عظيم البلاءً يكافأ به عظيم الجزاء» [٤].
وفي آخر أنّ «أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثمّ الأوصياء ثمّ الأمثل فالأمثل من
[١] الإهاب: الجلد. كتاب العين ٤: ٩٩، «أهب».
[٢] كلّفه تكليفاً، أي: أمره بما يشقّ عليه. الصحاح ٤: ١٤٢٤، «كلف».
[٣] النهاية في غريب الحديث ١: ٤٤٠، «حمز»، بحار الأنوار ٦٧: ١٩١.
[٤] الكافي ٢: ٢٥٣، حديث٨، باب شدّة ابتلاء المؤمن.